البنية اللغوية للصورة في شعر عبد الرحمن سليم الضيخ غادة الونشريس أنموذجا ..دراسة نقدية للأستاذ أحمد جانسيس

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

البنية اللغوية للصورة في شعر عبد الرحمن سليم الضيخ غادة الونشريس أنموذجا ..دراسة نقدية للأستاذ أحمد جانسيس

مُساهمة  عبد الرحمن في الأربعاء فبراير 24, 2010 4:28 pm

1-جولة خاطفة في تجربته الشعرية:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أول الكلام،بدايات الأمم،جاهليتها شعر،وربما نهاياتها.فالبشرية لاتبقي في ذاكرتها أثرا ما،أو إنسانا ما،إلا إذا كانت له شاعريته،أو كانت فيه وقدة من شعر.وعبد الرحمن الضيخ واحد من أولءك الذين داعبت نسمات الشعر براعم طفولتهم المبكرة،لكنه لم يسمح لشعره أن يمر عبر آلات الطباعة إلا في سنّ متأخرة.
صدر له حتى الآن خمس مجموعات شعرية هي على التتالي(سيمفونية القلق-إلى أين ياخنساء-رسالة النعمان-غادة الونشريس-دوائر)تفيض هذه المجموعات بقلق وهموم الإنسان العربي،وبالأسى على مجد ضيّعناه،مع بعض الجوانب الإنسانية والذاتية.
أما المجموعة الرابعة(غادة الونشريس)وهي موضوع دراستنا-يحاول الشاعر فيها أن يفرغ لذاته،أن يحب وأن يعشق،وهو الذي ضجّ شبابه بالانتصارات،فما أن بدأتينابيع الشباب تجف،وبدأ الشيب ينزل بساحته حتى يمم شطر المغرب باحثا عن مراع خصبة لهذه المرحلة من العمر،لكن هزيمة مجلجلة تنزل به فيهزم كما هزم من قبله أعتى الفرسان(أبو زيد الهلالي)أمام لعنة أسوار الزناتي ،لتفيض التجربة شعرا،يقول:
شوقي يفضحني/ويفض بكارة شيبي/ويعيد شريط الماضي لحياتي/من دون حياء.ص56.
2-البنية اللغوية للصورة في شعره:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لاتحتاج عند الحديث عن أهمية اللغة في بناء الصور إلى البراهين،فكثير منا يرتاح إلى عدّ اللفظ المادة الأولى في بناء القصيدة الشعرية،حتى أن هذه الألفاظ عندما تركب تكسب حكما آخر يخيل للسامع أنها ليست هي التي كانت مفردة،ويذهب د.الرباعي إلى عد طريقة استعمال الشاعر للألفاظ سر الشاعر نفسه،وهو سرّ لايستطيع تعلّمه،فشعرية أبي تمام أتت من كونه(أزاح اللغة عن مواضعها التي وضعت لها اتفاقا)2.
على أنه يجب على الشاعر ألا يهمل الجانب الوجداني وإلا تفكك بناء قصيدته،وتناقضت الصور،إذ ليست لحظات الإبداع مرهونةب(تصوير جديد لتجربة واقعية حدثت قبل زمن الكتابة فقط،وإنما هي تصوير لدخيلته في هذه اللحظات،مما يجعل للنص طعما خاصا يشف عن صدق المشاعر وشدة الانفغال)3.بل إن كثيرا من الصور الدرامية ماهي في حقيقتها إلا صدى لصراعات قائمة في اللاشعور بين غرائز متضادة،الأمر الذي يؤكد أن استخدام الألفاظ إنما تحدده دوافع التجربة داخل الشاعر،وأن الألفاظ تكتسب قيمتها من الموضوع الذي تدرج فيه.
بعبارة أخرى(إن الأسلوب إنما يبنى بتوزع الكلمات،وإن كلمة تركيب الجملة لايمكن أن تدل دلالة كافية على هذا الترابط إلا إذا منحناها معنى واسعا للغاية،معنى دراسة النظام الكلي للعلاقات التي يمكن أن تتوطد بين مختلف الكلمات في جملة،أو في بيت شعري)4.فكيف تبدت هذه العلاقات بين الكلمات في أسلوب الشاعر عبد الرحمن الضيخ؟
أ-في الأسلوب الخبري:
1-المبتدأ والخبر:تتنوع صياغة هذه المزاوجة اللفظية بين مزيج من الحسي والمجرد،أو نسيج متشاكل من نواتين حسيتين أو مجردتين.فقد ترسم مزاوجة لفظية(مجردة-حسية)خاتمة مريحة لذاته،بعد أن سبقها ست صرخات نداء لم تفلح في إنقاذه،يقول:
فأنا ياسماء روحي قتيل يشتهي منك ميتة كل حين ص 52.
فيما ترسم مزاوجة أخرى من هذا الطراز لوحة فضائه الداخلي:
عيناك عشقي القديم والجديد/وعتق روحي التي قد أدمنت/تذلل العبيد.ص .51
أما في النسج المتشاكلة من نواتين متماثلتين،يمكن لنواتين حسيتين أن تقدما صورة جزئية يمكنها التآلف مع صورة جزئية أخرى تليها،فتقدمان معا صورة كلية لإغراق الشاعر في تعذيب ذاته حرصا على محبوبه: ........قلبي لها ستر ص.30.
فيما تعزز العلاقة الطباقية بين قطبي الحب من جمالية الصورة،على أن الشاعر يكثر من استخدام هذا النمط من البنى في رسم ملامح محبوبه:
شفاهها زنبق ص.28 -أنت القصائد.....ص.31.
2-الفعل:على صعيد الفعل الماض من المألوف أن يخرق هذا الفعل دلالته الزمنية،لكن هذا الخرق عند عبد الرحمن الضيخ يتمادى ليرسم حالة جديدة لم نألفها في شعره،يقول:
وضننت بالأعراس من قيد الهوى من عجز قلب شح في الخفقان ص.17
فقلبه على امتداد شعره يضج بالخفقان،ربما مرد هذا الاستخدام المفاحيء الجنوح إلى تحقيق مصاحبة لغوية بينهما على صعيد اللغة على الأقل بعدما فشل توافقهما على صعيد الواقع،وهذه الحالة الطباقية تعزز من الطاقة الشعرية للصورة.وقد يدفع سوء الحال والشك بينهما فعلا مفاجئا آخر إلى الظهور،في قوله:
فلعله إن عانقت نظراته عينيك ينسى العدل أو ينساني ص.21.
إلا أن إغراق الشاعر نفسه في تلوين لوحة الأسى أحيانا قد يحد من فضاء الصورة،كما في قوله:
ماذنوبي لديك؟ماذنب قلبي ينزف الشوق واللهيب هياما ص.24.
أما على صعيد الفعل المضارع فتجدر الإشارة هنا إلى كثرة استخدامه،مما يكسب لوحاته الشعرية الحيوية والتجدد،فقد يسهم هذا الفعل في رسم صورة لمعاناته:
وقطار عمر ينزف السنوات ص.46.
وبإمكان الاستخدام المفاجيء لفعل مضارع-من قبيل زلة لسان-أن يعري حقيقة الشاعر أمامنا،فقد وقف مجموعته هذه لتباريح الهوى،لكنه وهو المسكون بالهم العربي تأبى السياسة إلا أن تدنس محاريب عشقه،يقول: ------يستعمر طيفك حلمي/دون ترفق ص.53.
وقد يأتي به من قبيل الاشتقاق اللغوي،فيقق بذلك دقة التعبير: تخدّ على الخدود مسالكا ص.71.
2-في الأسلوب الإنشائي:
يولي عبد الرحمن الضيخ في استخدامه للأساليب الإنشائية - في هذه المجموعة-أهمية خاصة لأسلوب النداء،وكأنه بذلك يعزي النفس بالقدرة على تسيير دقة الأمر بعد مر تجربة لم يهزم قبلها قط،فتراه في قصيدة(عذبيني)مثلا يأمرها،وهي في الحقيقة الفاعل وهو المفعول،محاولا بذلك سلبها الفاعلية وتسمية هزيمته نصرا وإفقادها لذة النصر،فيما تعكس كثرة استخدامه لأسلوب الاستفهام حالة الحيرة التي يكابدها.
3- التوابع والمتعلقات:
أ-الصفة:يلح عبد الرحمن الضيخ في استخدامه الصفات على التنوع،فقد يأتي بالصفة على وزن(فاعل)ليمنح الموصوف بذلك فاعلية في الحدث:
واستمعي فوق جواد اللذة/لنزيف الجرح الراعف ص.57.
ويمكن لصفة على وزن(مفعول)نابعة من لاوعيه أن تنبيء بحالة الشك التي ترتابه:
فكل نبرة من صوتك المصنوع/صارت في دفاتري قصيدة ص.61.
فيما تعكس صفة أخرى من قبيل المبالغة على وزن(فعيل)حالة الخوف والقلق التي يعاني:
أنقذيني فقد غرقت بطيني واحمليني على جناح مكين ص.30.
ب-التركيب الإضافي:يمكن للتركيب الإضافي أن يؤدي مهمة جمالية تتجلى في منحه تركيبا اهترأ من كثرة الاستعمال،بتبديل الأدوار بين عنصري التركيب عنصر الدهشة ذلك في قوله:
أشبعي النفس من حريق هواني وامنعي عن قريح جفني المنا ما ص,22.
وقد يعزز هذا التركيب جمالية الصورة عندما يحقق مادعاه الدكتور كمال أبو ديب(مسافة التوتر )إذ يتعلق الأثر والمؤثر في قوله:
تقول لي حين أشكو نار قسوتها قد فاتك السعد واستعدى بك العمر ص.30.
ج-الجار والمجرور:كثيرا مايستخدم الشاعر أحرف الجر استخداما محولا،ففي قوله:
أكذا النساء إذا رأين تنكرا للدهر طلقن الهوى بثوان ص.18.
د-الفصل والوصل:تؤدي هذه التقانة دورا هاما في بناء الصورة،إذ يمكن لمعنى الجمع المستفاد من حرف العطف(الواو)أن يعبر عن قداسة الشعر لديه:
أنت القصائد والآيات والسور ص.31.
3- اللون في شعره:
كثيرا مايلتزم الشاعر بالدلالة التراثية للون،لكنه في أحايين أخرى يلونه بصبغة ذاته،فالأحمر لون الدم والخفقان يغدو تحت ريشته لونا للتألق:
في يوم تعالت شمسه الحمراء في كبد السماء ص.135.
أو لونا للدمع الذي تلون بدم عرافنا الجريح،في قوله:
في دمعة حمراء من عين الفرات ص.138. وقوله: وخضبت بأدمع النذور في مراجل الفرات ص.105.
والأصفر يغدو لون الوهم في قوله: تنسجها سلة وهم أصفر ص.109.
على أن مر التجربة جعلته أحيانا يلون كل الألوان بلون الغدر: مضغتني أنياب ..زرق...صفر....شقر...حمر...من كل الألوان ص.112.
وأخيرا وبعد هذه الرحلة في شعر عبد الرحمن الضيخ،ونحن نضع عصيّ التخيم،يمكن القول:
1-يفيض شعره بالعفوية والانفعال،فيغرق أحيانا في رسم ملامح لوحاته ملونا إياها بألوان نفسية أكثر مما هي ضرورة تعبيرية كما في قوله:
وإذا الغيم سراب دون ماء ص.67.
2-نوّع في مزاوجاته اللغوية،وكثبرا ماأردف الخبر بالوصف جاعلا منه أحد ألوان لوحاته الشعرية.
3-أكثر في شعره من المفاجآت اللغوية،فتذوق جمال لوحة من قبيل قوله:
وأنت تأوين /إلى الحديد في سرير فارغ ص.62.
يضطر القاريء إلى استدعاء تقنية قرائية جديدة سماها بلشلار بتعليق القراءة،معها تحقق المخيلة الشعرية متعة التأمل هذه عند من عانى مر التجربة.


مصادر ومراجع الدراسة:
1- غادة الونشريس-شعر عبد الرحمن الضيخ-سوريا-حمص-2006 ط.1
2-الصورة في شعر أبي تمام-عبد القادر الرباعي-جامعة اليرموك-إربد_عمّان-1980.-ط.1-ص.264
3-4-الشعر الأندلسي نصا وتأويلا-فهد عكام-دار الينابيع-دمشق-1995-ص.79.


ــــــــــــــ
avatar
عبد الرحمن

المساهمات : 205
تاريخ التسجيل : 23/01/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى