صور حضارية من مجتمع مدينة تلبيسة....عبد الرحمن سليم الضيخ......

اذهب الى الأسفل

صور حضارية من مجتمع مدينة تلبيسة....عبد الرحمن سليم الضيخ......

مُساهمة  أبو البراء في الأربعاء أغسطس 29, 2012 3:47 pm

الأجزاءمن الجزء الثامن إلى......
الجزء الثامن:
من الصعب على المتتبع للأحداث أن يقول انني أبدا من سنة كذا وكذا،ذلك أن هذه الأحداث والتي قد تكون قد بدأت تظهر في سنة ما فإنها نتيجة لمخطط رسم من قبل وبدأ تنفيذ حلقاته الواحدة تلوى الأخرى،فمثلا غلاء الأسعار ،كان النظام يسوّق له على أنه حصار اقتصادي مضروب على سوريا نتيجة مواقفها القومية المزعومة،ولكنه في حقيقته كان مخططا من قبل أزلام النظام وشبيحته ،فقد منعوا التجار من استيراد البضائع بأساليب شتى منها غلاء الجمارك المفروضة على المستوردات حتى لتصل أحيانا إلى مايزيد على الألف بالمئة،إلى جانب استئثارهم بكل مفاصل الاقتصاد ،فالقطن والحبوب والشمندر وكل منتجات الزراعة لايمكن أن يتداولها التجار،فتسويقها منحصر بما يسمى(الدولة)والتي تسوقها عن طريق رجالات الدولة الذين أصبحوا يهيمنون على التجارة بشكل كامل ،مما اضطر التجار التقليديين إلى تهريب أموالهم إلى الخارج للعمل في الدول الأجنبية ،وقد لجأ رجال الدولة من (الشبيحة)إلى التهريب العلني ،حيث أخذوا يملؤون الأسواق بالبضائع المهربة من الأنواع الرديئة ويفرضون الأسعار التي يريدونها،ووصل الحال إلى أن كل مدينة صار فيها مايسمى(سوق التهريب)...وقد ساءت الحالة في كل القطر إلى درجة أنه غدا من الترف أن يحصل الفرد على صفيحة زيت أو (تنكة)صغيرة من السمن أو علبة من مناديل(الكلينكس)...ولم تبخل الحكومة الموقرة بإرسال عدد من صفائح الزيت أو السمن إلى مايسمى ب(الجمعيات الاستهلاكية)
في كل شهر يتوزعها المسؤولون البعثيون أو المتنفذون فيما بينهم ولا يحظى الأهالي إلا بالقليل القليل مما يزيد على سرقات المسؤولين.
أذكر أنني كنت أدرّس في الثانوية جاءالمدير إلى غرفة المدرسين وبشرنا أن دفعة من الزيت والسمن ستأتي إلى (المؤسسة الاستهلاكية)وأنه سيشرف على التوزيع كونه بعثيا ،وأنه سيحاول أن يؤمن (لبعض)المدرسين (تنكة زيت صغيرة ...أو تنكة سمن صغيرة أيضا)فساد هرج ومرج وكدنا نتشاجر فكل واحد يريد ان يحصل على غنيمة.....سجل أسماءنا ووعد خيرا....لكنه حين عاد لم يكن يحمل إلا كيسا فيه صفيحتان صغيرتان واحدة من الزيت والأخرى من السمن...ولما تساءلنا قال بعصبيته المعروفة(ياأخي والله العظيم مااستطعت أن أحصل إلا على هاتين الصفيحتين لنفسي)،فلم نزد على (الحوقلة)...وتعللنا بأننا سنشتريها من (سوق التهريب)وأمرنا إلى الله...لكن الشيء الذي كان واضحا للعيان أن المناطق الغربية والتي تسكنها طائفة النظام كانت لاتشعر بهذا(الحصار)الخانق الذي تعيشه سوريا نتيجة(قومجيتها المزعومة)كنا وبحكم مرور الطريق الدولي من بلدنا نرى السيارات الشاحنة التي تحمل المهربات وهي تسير مسرعة ترافقها سيارات نقل صغيرة(بيك آب)وفيها رجال مسلحون ،هذه السيارات تسير أمامها ووراءها كحماية لها ،ولكن ممن؟؟؟وكثيرا ماكانت تحدث اشتباكات بين رجال الجمارك وهؤلاء الشبيحة تكون نتيجتها على الأغلب مقتل بعض رجال الجمارك ومتابعة أسطول المهربات إلى هدفه.
إن المتتبع الحيادي للحالة التي كانت سائدة في سوريا حينها لايمكن إلا أن يثبت حقيقة هي أن سوريا صارت ومنذ بداية الثمانينيات من القرن الماضي تحكم بعصابات و(مافيات)تحت سمع وبصر وحماية ومشاركة الحكومة البعثية،والنتيجة التي وصل إليها المجتمع السوري كانت كارثية بكل مافي الكلمة من معنى......فلك أن تتصور حياة مجتمع تحت تسلط أمني خانق،وفساد إداري أصبح قاعدة لااستثناء لها ،وفقدان معظم مقومات الحياة ومستلزماتها،ومراسيم تخدم فئة متسلطة وتزيد من معاناة الشعب ومخطط لضرب الزراعة التي يعتمد عليها أكثر من ثلاثة أرباع المجتمع السوري...وخراب المصانع التي كانت تساهم في صنع السلع الكثيرة التي تحقق في بعض الحالات الاكتفاء الذاتي للمجتمع كمصانع الغزل والنسيج....فقد أخذت الحكومة توظف المئات من أتباعها في المصنع الذي لايحتاج إلا إلى العشرات مما شكل عبئا علي المصانع وأدى إلى خسارتها وتلفها ،وخروجها من خط الإنتاج.....إلى جانب السرقات التي كان مدراء المصانع يقومون بها وهي بالملايين...ناهيك عن الشركات التي كانت تغطي مساحات واسعة من احتياجات المجتمع السوري.
فعلى سبيل المثال لاالحصر عندنا شركة كبيرة اسمها(الشبكات )وهي معنية بمد شبكات الكهرباء في سوريا...هذه الشركة تضم مئات العمال الفنيين والمهندسين إلى جانب المئات من السيارات والآليات التي يستلزمها العمل في مد الشبكات الكهربائية....وكانت في بداياتها تتخذ من مدينة حماة مركزا لإدارتها،وكان على رأسها مهندس شاب تقي مخلص في عمله يسهر على سير العمل بشكل جيد مما أدى بالشركة إلى أن تقوم بأعمال كبيرة غطت معظم سوريا،لكن هذاالمهندس الشاب كان له ذنب عظيم لايغتفر ،وهو أن أحد أبناءعشيرته متهم أنه ينتمي ‘لى جماعة تعمل ضد حزب البعث،فكان هذا الذنب كفيلا بإزاحته عن منصبه ،وطبعا حل مكانه شخص مقرب من الحكومة ومن طائفتها....ولك أن تتصور حالة الشركة بعد استلامه لإدارتها ,لن أسرد مافعله في الشركة فقط سأورد مااستطاع بعض الوظفين اكتشافه حين (كفت الحكومة يده)لما شاع عنه من سرقات باتت معروفة للقاصي والداني...فقد صرح المسؤول عن الآليات في الشركة أن المدير(المكفوف اليد)والذي عين ملحقا في إحدى السفارات السورية في أوربا ،قد أفرز (5)سيارات من الفروع المختلفة واحدة(بيك أب دبل كابين)لأخيه الذي يمتلك محلا لتسويق الخضار في (سوق الهال)باللاذقية لاستخدامه في نقل الخضار وطبعا الوقود على حساب الشركة فقد كان يمنح أخاه (دفتر كوبونات)لتعبئة الوقود،وأخرى لحماه وثانية لحماته واثنتان لزوجته وابنه.....وكان قد خصص لبناء(حصن)في رأس جبل آلية (بلدوزر)لفتح طريق التفافية تصل إلى حصنه الذي بناه من مواد كانت تخصص للشركة......وماخفي كان اعظم.....لن أتحدث عن خلفه الذي جاء إلى الشركة أول مرة بسيارة(تاكسي)وحين خرج منها إلى إحدى السفارات خرج بسيارة لايستطيع دفع ثمنها إلا أغنى أغنياءسوريا.......وامتلك قصرا مشيدا على إحدى قمم الجبال على الشاطيءالسوري.....ثم لن أستطيع سرد كل ماكان يحدث من مثل تهريب الإسمنت والحديد للبناء على الدراجات النارية ليستطيع الأهالي بناء بيوتهم ،يحصلون على هاتين المادتين بأسعار مضاعفة ،على حين يحصل المقاولون والذين هم من أقرباءومقربووشركاء قادة الأمن في كل مدينة على هاتين المادتين من المؤسسات الخاصة بالدولة وبأسعار مخفضة جدا ......غدا إن شاء الله سأحاول أن أذكر انعكاس هذه المخططات وآثارها على المجتمع التلاوي، ودفوعاته الحضارية التي ظلت حصنا له، تقيه من المصائب التي خطط النظام المتخلف لوضعه فيها .
الجزء التاسع:
أجد نفسي بعد هذا الانقطاع مضطرا إلى الاستمرار في رصد فترة النصف الثاني من الثمانينيات ،لما أحدثته من انقلاب خطير في المجتمع السوري عامة ،والمجتمع التلاوي بصورة خاصة،لما حدث من ارتفاع غير طبيعي للأسعار،وبخاصة أسعار المواد التموينية التي لاغنى للناس جميعا عنها ،فقد تضاعفت الأسعار بنسب غير معقولة تجاوزت حتى أوائل التسعينيات أكثر من (45)ضعفا،على حين لم تزد مرتبات الموظفين ،وأسعار المنتجات الزراعية إلا بنسب قليلة جدا جدا لاتتناسب أبدا مع غلاء أسعار المواد،هذه الظاهرة انعكست بصورة سلبية شبه صاعقة على المجتمع،وبخاصة فئة الموظفين من(مدرسين ..عمال...موظفين حكوميين...الخ)وأدى إلى مضاعفة أخطر ظاهرتين مرضيتين للمجتمع السوري عامة والتلاوي بصورة خاصة وهما :
تحول الموظفين الذين لاتمكنهم طبيعة وظائفهم من السرقة أو الرشوة(المدرسين)إلى إيجاد أعمال أخرى يقومون بها ليحصلوا على مايقيم حياتهم وحياة أسرهم ،ويحفظ كرامتهم،ولا يستطيع أحد أن يزعم أن هذا لم يؤثر على عملهم الرئيس وهو التعليم....فالمعلم الذي باع مايمكن أن يستغني عنه هو وعدد من المعلمين واشتروا (ناقلة ركاب)يعملون عليها هم أنفسهم ليلا ونهارا،لايمكن لأحد أن يدعي أنه يستطيع بعد سهر الليل بطوله أن يقوم بعمله في التعليم كما يجب....ومنهم من اتجه إلى العمل في الليل مع (ورشة دراسة)ليكسب مايستطيع أن يسد به حاجيات أبنائه وأسرته الكبيرة،أقول الكبيرة لأن أهالي تلبيسة مشهورون بالرغبة في إنجاب عدد كبير من الأولاد،وأنا هنا لن أناقش صحة أو عدم صحة هذه الفكرة...ولكنني ذكرتها لأثبت ماذهبت إليه من حاجة المعلمين وغيرهم للقيام بأعمال أخرى.
أما الناحية السلبية الثانية التي سببها غلاء فاحش للأسعار فهي انتشار الرشوة في الدوائر الرسمية بشكل غير مسبوق ،فاق المعايير ،وفاق كل حالة مثيلة في العالم،وذلك تحت سمع وبصر وحماية النظام...كما شاعت المحسوبية .والوساطات مقابل دفع الأموال للحصول على الوظائف أو لتمرير معاملة غير نظامية ،أو ماشابه ذلك....لاأستطيع أن أمرر حادثة جرت معي بعد ذلك بسنوات ؛حيث اضطررت إلى استخراج(قيد نفوس)من دائرة النفوس،وقد كنت واثقا من أنني سأنفذها بسرعة لوجود أحد أقاربي موظفا في الدائرة،ولكن ولسوء حظي كان قريبي غائبا...تقدمت من الموظفة(العوراء)وأعطيتها (دفتر العائلة)وطلبت منها (قيد نفوس)فأجابتني دون أن تنظر إلي ...(هلأ ماني قاضية تعال بكرة),,,استصغرت نفسي لأنني فكرت أن أقول لها(أناعم فلان...)أخذت دفتر العائلة وخرجت من المكتب ،وأخرجت من جيبي (25)ليرة وضعتها في داخل الدفتر وعدت إليها وأعطيتها (دفتر العائلة)فتحته وأخذت المعلوم وقالت لي تفضل اجلس(أستاذ)دقيقة...وفعلا بعد دقيقة أعطتني ماأريد.......حين خرجت (ضحكت من نفسي كثيرا ...من خلال ألم روحي قاتل)....لقد أصبحت(أستاذ بخمس وعشرين ليرة)بينما يبذل الناس الملايين والسنين ليحرزوا هذا اللقب....لاحول ولا قوة إلا بالله.
وما جاءت التسعينيات بأحداثها الجسام (أحداث العراق)واشتراك النظام في ماسمي ب(تحرير العراق)حتى بدأت المكافآت تنهال على النظام،حيث بدأت دول الخليج والتي كانت تمتنع عن استقدام العمالة السورية...بدأت تكافيءسوريا بأخذ المدرسين والموظفين السوريين ،...ولا أدري هل كان هذا من حسن حظ المدرسين وسوريا بشكل عام،أم كان من سوء حظ سوريا وطلابها والعملية التعليمية بشكل عام ؟؟حيث بدأ معظم المدرسين الأكفاء بالهجرة للعمل وتحسين مستوى حياتهم،الشيءالذي انعكس بصورة سلبية سيئة على الطلاب،وعلى الحالة التعليمية بشكل عام.......وقبل أن أتوقف اليوم لابد لي من ذكر حالة أصبحت ظاهرة في المجتمع التلاوي وهي،التخمة في الخريجين ،مع عدم وجود الوظائف لهم ،لعدم استطاعة الكثيرين منهم من دفع(150000)ليرة سوريا ل(الواسطة)التي ستعمل على توظيفهم.......أقف هنا ...وأتابع غدا إن شاء الله.
الجزء العاشر:
أعود فأقول إنني ماأزال أتحدث عن التسعينيات من القرن العشرين،هذا العقد حفل بالكثير الذي لابد من الحديث عنه ،كي تحتفظ به ذاكرة الجيل الجديد،والذي يحمل صفة كانت الأجيال السابقة له تفتقر إليها ،وهي صفة الاندفاع والشجاعة،ونبذ الخوف إلى درجة لم يكن أحد يتخيلها،على الأقل خلال العقود الثلاثة السابقة لهذا العقد،وأقصد عقد التسعينيات.
لقد أخذت القبضة الأمنية للنظام تشتد على الشعب حتى وصل الحال بالشعب إلى مايشبه الاختناق،غلاء الأسعار،قلة بل ندرة الوظائف للفئة الأكبر في المجتمع،تفشي المحسوبية والرشوة تحت سمع وبضر وحماية النظام،تزوير الانتخابات إلى درجة أن الانتخابات السورية أصبحت مضرب المثل في العالم،حيث أخذ العالم يتندر عليها ،فنتيجتها ليست فقط محسومة لصالح مرشحي النظام أو رئيسه،وإنما تتعدى ال((99.9999999))بالمئة....ثم إن لانتخابات لم تعد غايتها فقط إبراز وتسليم فئة اختيرت على أساس طائفي،فكل مركز أصبحت له (تسعيرة)تدفع لأحد إخوة أو أقرباءالرئيس ليدرج اسم الدافع بين المرشحين الذين سينجحون بيد الأمن رغما عن أنف الشعب والناخبين ،وإنما تعدتها إلى جوانب أخرى حيث شكلت غطاء لصغار اللصوص لتغطية سرقاتهم من الشركات الحكومية بحجة صرفها على الاحتفالات والانتخابات ومظاهر (الفرحة)التي تعقب هذه المهازل ،وحين أقول صغار اللصوص فإنني لاأعني أنهم يسرقون الآلاف،وإنما الملايين وعشراتها ومئاتها من الليرات السورية......ثم إن أحدا ما في المجتمع السوري لايجهل الآلية التي تجري الانتخابات على وفقها،أمناء المراكز الانتخابية من البعثيين الذين تأتيهم تعليمات الأمن المتواجد دائما في كل المراكز،فيكفي لأي شخص أن يحضر بطاقات الهوية لكل أسرته وأقربائه ويملأ الاستمارات المملوءة اصلا بأسماءالمرشحين الذين تريدهم الحكومة من الطائفة العلوية،أو ممن دفعوا(المعلوم).
وويل وألف ويل لناخب واع يريد أن يمارس حقه في الانتخاب ويملأ الاستمارة في الغرفة الانتخابية....هذا توضع علامة(ْْX)إلى جانب اسمه،والباقي يعرفه الكثيرون...ومنهم من ذاقه وعانى منه،فكم من واع مثقف حر أراد أن يمارس حقه وفي تنفيذ ماتعطيه إياه اللوائح الانتخابية ،فكان أن قضي على مستقبله ومستقبل أسرته وأبنائه.
وما نصل إلى عام 1995 حتى نجد أن أغلب المدارس في المدينة قد أخذت تعج بالمتعاقدين من المدرسين المؤقتين الذين لم يتخرجوا بعد من الجامعات ،ناهيك عن الطالبات الجامعيات اللواتي مايزلن في الصفوف الأولى من الجامعة ،يكلفن بتدريس المرحلة الثانوية،دون أن يتمتعن بأية كفاءة اللهم إلا الواسطة ،ذلك أن معظم المدرسين الأكفاء فضلوا التعاقد مع دول الخليج لأسباب مادية من جهة وأمنية من جهة أخرى...وهنا يجدر بنا أن نوضح ماذا نقصد ب(الجهة الأمنية)...معروف أن المدارس الثانوية قد أدخل النظام إليها مايسمى(اتحاد شبيبة الثورة)كبديل لاتحاد الطلبة،هذه المنظمة كانت تعمل رديفا لحزب البعث،وقد أسند إليها وإلى القائمين عليها دور أمني في المدرسة،فلا المدرس (غير البعثي)ناج منها ولا العملية التعليمية ناجية من تسيبها،وبخاصة أن القائمين عليها كانوا في معظمهم من خارج سلك التعليم،بل من الجهلاءالذين لايهمهم إلا أن يحافظوا على الأوشال التي يكسبونها من خلال عمالتهم للنظام،ناهيك عن تدخل القائمين على الحزب ،ورجال الأمن في كل شاردة وواردة في المدرسة،هذه الأشياءمجتمعة وغيرها كانت السبب في تأخر وانحسار الدور التربوي والتعليمي للمدارس،ودفعت الكثيرين من الطلاب إلى الانتقال إلى المدارس الخاصة ،أو الرسمية في مدن أخرى....وقبل أن أختم هذا الجزء لابد لي من إجراء مقارنة بين الوضع المدرسي في هذه الفترة،حيث لايمكن لأية إدارة أو مجلس المدرسين أن يتجاوز رغبة ،بل أوامر الشبيبة والحزب والقائمين عليهما ناهيك عما يفرضه الأمن،والفترة التي تمتد مابين السبعين إلى الثمانين ،حيث كان النظام حينها لم يصل في مخططات الإفساد المنظم إلى المدارس....كنت مدرسا في ثانوية تلبيسة،كنا مايقرب من ثلاثين مدرسا.....حدثت مشاجرة قوية نوعا ما بين طالبين أحدهما ابن لأحد الأغنياء البعثيين المتمكنين(أصحاب الواسطات)...في مثل هذه الحالات تحول الأمور إلى مايسمى ب(مجلس المدرسين)وهو أعلى سلطة في المدرسة،ولا يمكن نقض قراراته حتى من قبل الوزارة ,وقد تم اتخاذ القرار بواسطة الاقتراع السري...وكانت النتيجة أن المجلس قرر نقل الطالبين نقلا إجباريا إلى مدرسة في مدينة أخرى تبعد عن تلبيسة أكثر من عشرين كيلومترا،فقامت قائمة المتنفذ،والد أحد الطالبين ،وجاء إلى المدرسة ،وتكلم بفوقية أكرهها حتى لو كانت من ابي....لم يرد عليه أحد فخرج يهدد ويتوعد ،ويقسم ألا يجعل هذا القرار ينفذ.....بعد يومين أعيد القرار من قبل مدير التربية مكتوب عليه بالحرف الواحد(يرجى إعادة النظر إن أمكن)....المدير أعاد القرار إلى مجلس المدرسين فألح المجلس على قراره،وأعيد إلى مدير التربية،بعد يوم واحد يتصل أمين فرع الحزب في حمص،وأحد رؤساء الفروع الأمنية،راجيا إعادة النظر،فرفض المجلس....نعم رفض...ونفذ القرار(النقل الإجباري مدة عام دراسي كامل)....أطن أن بعض من سيقرؤون هذا الجزء يعون الحادثة وربما يقرؤها المعنيان...ويذكرانها......أقف هنا....لأتابع غدا إن شاء الله.
الجزء الحادي عشر:
توسع المدينة،أفقيا وعموديا،وتضاعف عدد سكانها مرات عدة ،أدى إلى حدوث حركة تجارية نشطة ،فقد ازداد عدد التجار حتى فاق المئات في شتى أنواع التجارة،وأصبحت مدينة تلبيسة قبلة التجار من معظم أنحاء سوريا،بل صار عدد من التجار العرب يفدون إليها لشراء بعض الغلال التي تنتجها من جهة ويشتريها تجارها من القرى والمدن المجاورة من حهة أخرى ك(اليانسون،الكمون،الحبة السوداء،الفاصولياء)وأنواع أخرى من المنتجات الزراعية،أما ماتنتجه من الحبوب(القمح،والشعير)فلا يجرؤ تاجر على شرائه،لأن هذا يعتبر جريمة،فتوريده مقتصر على الدولة،بحجة (المخزون الاستراتيجي)والذي أكتشف فيما بعد أن الحكومة كانت تستبدل القمح السوري الممتاز بأقماح أمريكية ،انقطعت مدة صلاحيتها وتطعم الشعب منها...أما مايسمونه بالمخزون الاستراتيجي فقد أكتشف مؤخرا أن حبة واحدة منه غير موجودة ،فقد سرقه رجال الدولة تحت سمعها وبصرها ليحولوه إلى طحين في المطاحن التي أقامها المخلوف في منطقة (حسياء)وتصديره إلى خارج القطر،أما مايخص حركة البناء فقد تضاعفت كلفته بشكل غير منطقي وغير مناسب للدخل القليل ا لذي يحصل عليه المواطن.
ولعلنا هنا نلفت لانتباه إلى أن في سوريا مصانع اسمنت متعددة،يمكن أن تغطي معظم احتياجات السوق المحلية،إلى جانب أن مادة الحديد اللازمة في البناء كانت أسعارها العالمية لاتتجاوز عشر الثمن الذي كانت تباع به في السوق المحلية،ولعلنا نستطيع تفسير قلة المادتين في السوق المحلية بواقعين اثنين وهما:
أولا (الشبيحة)من آل الأسد كانوا يهربونهما من لبنان ويفرضون الأسعار التي يريدونها،مما جر عليهما ثروات هائلة ،إلى جانب تهريب (التبغ)والمخدرات.
ثانيا:تصدير الإسمنت المنتج محليا عن طريق تجار أردنيين إلى إسرائيل لاستخدامه في بناء الجدار العازل الذي أقامته على الأراضي الفلسطينية ،لتحمي نفسها من هجمات الفدائيين.
إلى جانب تخصيص مايستورد ،وما ينتج من الإسمنت ،ويستورد من الحديد،تخصيصهما (للجيش،والشركات)حيث تذهب هذه المخصصات إلى بناء حصون لقادة الوحدات ومدراء الشركات في قمم جبال المنطقة الساحلية،وهي في حقيقتها مخصصة لبناء التحصينات على الجبهة،أو للمشاريع العامة التي تدرجها الشركات في برامجها وخططها السنوية،والتي تسجل فيما بعد تحت أسماء مختلفة(خسائر،هوالك،توالف....)لتغطية السرقات .
ومما زاد الطين بلة أن رؤساء الفروع الأمنية،وأمناء الفروع،وأمناء الشعب الحزبية،وأمناء الفرق....كلهم متحكمون في توزيع الناصب كل بحسب تفويضه مقابل الحصول على مبالغ مالية من الطامع بالمنصب،كما تجد رؤساء الفروع الأمنية شركاء لكل المقاولين في أماكن تواجدهم(بلارأسمال)مقابل تأمين المواد الأولية من شركات القطاع العام،وتمرير الغش ا لذي يمارسه المقاولون في تنفيذ الأعمال التي يأخذون تعهد تنفيذها...بالتالي تجد أن كل المشاريع التي تنفذ ،وخصوصا في المناطق(السنية)كلها مبنية على الغش ،والذي يضطر إليه المقاول ،لأن عليه أن يدفع(أتاوات)لجهات عدة.....والمقاول الذي يجد من يراقبه يلجأ إلى (شركائه)في الأمن ليسكتوا المراقب......أذكر أن البلدية أعطت أحد المقاولين تعهدا (لتزفيت)لشارع المار أمام بيتنا...وهي المرة الخامسة التي (يزفت)فيها بحيث أصبحت كل الدور دون مستوى الشارع......وحين وصل العمل إلى أمام دورنا لاحظ الشباب أن المقاول حين بدأ بصف (الرديف)كان (يسشمم)(الجبلة)الإسمنت ...ويعمل....فاعترض أحد شبابنا عليه وطالبه بأن يتقي الله في عمله...وحدث شجار بينهما.....ترك المقاول العمل واتجه إلى مفرزة الأمن وبعد قليل حضرت معه دورية...أخذوا الشاب ...تركوه بعد ساعتين ....ولكن بعد أن تغير شيء في ملامحه.......أردت أن أكرر ذكر هذه الممارسات خلال أجزاء عملي هذا للتأكيد على حالة (الاختناق)المخطط لها مسبقا التي كان الشعب السوري عامة وأهل تلبيسة خاصة يعانون منها،والتي كانت نوعا من أنواع الشحن الطائفي غير المباشر الذي تمارسه الحكومة الطائفية ضد المدن (السنية)...صدقوني أقول هذا وأنا شديد الأسف ...ذلك أنني مؤمن إيمانا راسخا أن المجتمع السوري كن على مرّا لعصور مجتمعا آمنا متعايشا بسلام ،لم يفكر أحد فيه بطائفية أو مذهبية أو فئوية .....أقف اليوم هنا....وسأتابع إن شاء الله ,,,ربما غدا.
الجزء الثاني عشر:
تمهيدا لهذا الجزء من المقالات المسلسلة والذي يتناول حالة مزرية مرت بها سوريا،وبخاصة مايسمى ب(جيشها العقائدي)من انفلات وتسيب ،بحيث تحول إلى مؤسسة (غابية)هدفها السرقة والنهب والاستغلال بأبشع صوره.
وقبل أن أعرض للتفاصيل ،لابد لي من ن أسترجع حادثة كان لها أكبر الأثر على مسيرة حياتي ،ولن أعرضها كتجربة شخصية،وإنما كبرهان على ماكان عليه ،مايسمى(الجيش العربي السوري)من بدايات انحطاط وتسيب ،بحيث أصبح يشكل عبئا ثقيلا على كل مفاصل الحياة في سوريا.
في اليوم الأول من عام (1976)سحبت لأداء مايسمى بالخدمة الإلزامية،لن أتحدث عن المعاناة التي عانينا منها خلال مايسمى بالدورة التدريبية ،فقد كانوا يعاملوننا معاملة تلغي وجودنا كبشر وتحولنا إلى آلة تستجيب خوفا للأوامر ،وبعد الانتهاء من الدورة التدريبية ،والتي لن نأخذ منها سوى الاستعداد لنكون آلات لاروح فيها،وزعونا على القطع العسكرية،وكان نصيبي في كتيبة كنت الجامعي الوحيد فيها...ولم أكن أعلم أن الضباط معقدون من الجامعيين...ولم أفكر في دوافعهم لأنني بالأصل لم أضع في ذهني فكرة كهذي،كانوا ينادنني ب(الأستاذ)وكنت في البداية أشعر بشيء من السرور بهذا...ولكنني لاحظت أنهم حين ينادونني بهذا اللقب يتبعونها بضحكة سخرية......ثم جاءت الصدمة حين أخبرني أحد ضباط الصف وكان في خدمة احتياطية أن مفردة أستاذ عندهم تعني(الحذاء العسكري)......ملأ الحزن ساحة نفسي وبخاصة أنني لاأستطيع أن أناقشهم،فمنطق الجيش عندهم(نفذ ثم اعترض)ولكنهم ألغوا مفردة (اعترض)وبقيت كلمة (نفذ)فقط.
مالفت نظري في الكتيبة أن الضباط كانوا في يوم (استنفار الكتيبة)ينقسمون إلى قسمين....وكل قسم يجلس في مكتب أحد الضباط ويديرون الكؤوس حتى الصباح،حتى الحرس الذين يحرس الكتيبة كان يقف في محرسه وزجاجة الخمر في جيبه يحتسي منه خلال نوبته......وانقسام الضباط إلى قسمين لم يكن بسبب الرتبة أو الإقليم...أو لاختصاص...إنما كان طائفيا بحتا،حيث كان الضباط من الطائفة العلوية يجلسون في مكتب ضابط الأمن والذي كان منهم...والضباط من المذهب السني (تجاوزا)كانوا يحلسون في مكتب أحدهم،وكلهم يتناولون المشروبات الكحولية ،ويأكلون ماأحضره إليهم حجابهم من المطبخ من مخصصات العساكر...بل من أحسنها...أما أنا فكانت حصتي قائد الكتيبة والذي لم يكن لاعلويا ولا سنيا ،إنما كان من الطائفة الدرزية،وكانت كلتا المجموعتين تتضايق منه فكان في يوم(استفار الكتيبة)يرسل حاجبي إلى المطبخ ليحضر أطايب الطعام والفاكهة،ويأتيني وقد شرب حتى ثمل ليأكل ماأعده له حاجبي(الحلبي)من أطايب الطعام.
وقد اشتهرت في الكتيبة بأنني مقرب من قائدها...والحقيقة أنه كان عبئا علي وعلى عساكري
ذكرت ماسبق لأعلل مافعله معي الضباط من الطائفة العلوية..وبخاصة ضابط الأمن(النقيب ثابت غصن)لارحمه الله....كان يرسل إليّ العساكر ليتقربوا مني ويحاولوا أن يأخذوا مني كلاما سلبيا ضده أو ضد الوضع ،فكانوا يفشلون،فقد كنت حريصا جدا على إنهاء خدمتي والعودة إلى عملي وأسرتي .....وفعلا انتهت خدمتي الإجبارية واحتقظ بي لخدمة احنياطية.....وهنا تحدث الطامة الكبرى......ذهبت في إجازة قصيرة....وحين عدت منها فوجئت أن (أربع)بنادق من فصيلتي المستقلة قد فقدت......والمصيبة أنهم لغبائهم أخذوا بنادق المجندين وتركوا بندقيي التي أستلمها...ظنا منهم أنهم بهذا يوقعون بي أكثر....فكان أن جعل الله مكرهم لصالحي نوعا ما.....هم نجحوا في أن يجعلوني أقبع في السجن لثمانية أشهر بحكم لم يجد القاضي تسمية له إلا (الإهمال)مع العلم أنني وقبل ان أذهب في إجازتي سلمت العسكري المقيم معي في الخيمة كل محتوياتها بما في ذلك البنادق...ولكن شفهيا،ذلك أنني إذا أردت أن اسلمه عن طريق جرد المستودع كلما ذهبت في إجازة ،فإنني أحتاج إلى أيام عدة لفعل ذلك....والمصيبة الكبرى أن كل من في الكتيبة،بمن فيهم قائدها يعرف من قام بهذا العمل ،ولكن أحدا لن يجرؤ على البوح باسمه...خوفا من تحويل المسألة إلى (طائفية)وبهذا يكون مصيرنا في خبر ليس كما يقال،،،لذلك آثرت السكوت...وتحملت الضرب والشتم والإهانة......لن استرسل كثيرا ،لأنني استحضر آلام تلك التجربة كلما تذكرتها.
ثم لابد لي أن أذكر أن كتيبتنا كانت مركزا لتدريب الأغرار من المجندين ،وتعليم الأميين منهم القراءة والكتابة...وكنت دائما مساعدا لدورات تعليم الأميين كوني جامعيا....وكانوا يفرزون إليها ضباطا من الكتائب،وفي إحدى الدورات أفرزوا ملازما شابا من كتيبة مجاورة (الملازم عبد الرؤوف)وكان يستلم فصيلة من الأغرار....جاءني مرة أحد الجنود ليقول لي أن الملازم المذكور يرسل العساكر إجازات مقابل أن يحضروا إليه الهدايا...وذكر لي من أرسل وماذا أحضر إليه بالتفصيل...فكان تقديرنا لثمن مانهبه من العساكر في عام(1978)حوالي (140)ألف ليرة سوريا في الوقت الذي كان فيه مرتب المدرس الجامعي(375)ليرة سورية....لم أستطع السكوت على ذلك..وأخبرت قائد الكتيبة والذي لم يستطع فعل أكثر من صرفه إلى كتيبته القريبة منا...فهو من الطائفة الممتازة .فكان واحدا من الذين وجهوا إلي الضربة التي ذكرتها.
وما جاءت التسعينيات حتى تحول (الجيش العقائدي)إلى مزرعة للضباط من الطائفة العلوية والذين اخذوا يشكلون أكثر من 70بالمئة من ضباط الجيش،وتحول الجيش إلى مصدر كسب كبير لهؤلاء الضباط...فهم إلى جانب سرقة مخصصات الجيش وما يأتي من مستلزمات التحصين وغيره ،حتى المؤن التي تخصص لطعام الجنود صارت تسرق وتباع في الأسواق....كما أن الضباط اتبعوا مايسمة(تفييش)العساكر مقابل مبلغ شهري يدفعه إليهم مقابل أن يمضي الشهر في بيته وعمله المدني.....فكان كل ضابط(يفيّش)عشرا أو عشرين عسكريا مقابل عشرة آلاف في الشهر....وبعملية حسابية صغيرة ..تستطيع معرفة دخل الضابط منهم.دون أن تغفل عملهم في التهريب والسرقة والنهب....لقد تحول مايسى(الجيش العقائدي)غلى جيش(معقّد)بفتح القاف و(معقّد)بكسرها..وتحول إلى عبء على المجتمع كله،إضافة إلى ماشاع من رشوة ومحسوبية ونهب وسرقة وتهريب و(تشبيح)من قبل المدنيين والعسكريين من الطائفة العلوية التي أسفرت عن مخططها في تحويل سوريا إلى مزرعة لطائفة أقلية....يعمل فيها الشعب السوري بحيث,,,يعمل ولا يأكل.....أعرف أنني سأجد اعتراضا على الإطالة...ولكنني كنت مضطرا لأوضح حالة لابد من تأريخها ،لأنها كانت من أهم أسباب تفجر ثورة الكرامة...أقف هنا لأتابع في يوم آخر...إن شاء الله.
الجزء الثالث عشر
كان بودي لو أضيف تفاصل أكثر عن الحالة التي كانت وما تزال سوريا وأغلب مدنها وقراها تعيشها تحت وطاة نظام ينفذ مخططا إجراميا متخلفا يهدف إلى تغيير النبية الاجتماعية والفكرية والثقافية للمجتمع السوري ككل،لكنني في مقالاتي هذه أهدف إلى إعطاء صورة عن المجتمع التلاوي والذي هو في حقيقته جزء لايمكن فصله في شتى المجالات عن المجتمع السوري ككل،لكنه قد تكون له ككل مجتمع خصوصيات ،وهذه ماأحاول أن أركز عليها،على الرغم من صعوبة ذلك.
في تسعينيات القرن الماضي يدأ المجتمع التلاوي يظهر حالة يمكن تسميتها العودة إلى الأصل ،وسببها يمكن إعادته إلى ردة فعل المجتمع الواعية أو غير الواعية لما يحدث من محاولات ضرب البنية الاجتماعية والثقافية في تلبيسة وغيرها.
هذه الحالة والتي ظهرت بشكل متسارع هي (العودة إلى الدين)...طبعا أنا لاأعني أن المجتمع قد وصل إلى مرحلة(اللاديني)ولكنني ومن خلال ملاحظاتي كنت في فترة السبعينيات والثمانينيات ألاحظ انصراف الشباب عن ممارسة العبادات ..حتى وصلت الحال إلى أن المساجد في بعض الصلوات كانت تضم إلى جانب الإمام عدد قليل من الشيوخ وكبار السن،وينعدم فيها خلالها وجود الشباب،وبخاصة في صلاة الفجر والعصر والعشاء،أما بعد منتصف التسعينيات فقد أخذت الاحظ تواجدا يزداد باضطراد للشباب في المساجد،وعلى الأخص في صلاة الفجر والصلوات التي كانت المساجد فيها تخلو منهم من قبل،ولعل هذا مايفسر انطلاق الثورة من المساجد...طبعا أنا لاأعني مايأخذه العلمانيون والملاحدة على الثورة من أنها انطلقت من المساجد وكان عليها ان تنطلق من الجامعات كما يزعمون باطلا(هذا رأيي)ولكنني أشير إلى أن أول خطوات الثورة كانت عودة الشباب إلى دينهم والذي يحض المجتمعات على تحقيق العدالة الاجتماعية بشكل حضاري بين سائر فئات المجنمع.
أعود إلى الصور الحضارية العملية التي ترجمت أفعالا في مجتمع تلبيسة في فترة التسعينيات وما بعدها.
نتيجة لازدياد عدد السكان،والتوسع في الأعمال بكل جوانبها،ولانحسار الكثير من الأنشطة الاقتصادية نتيجة للسياسة الخرقاء التي استمر النظام في تطبيقها تنفيذا لأجندة فئوية،ومذهبية مرتبطة المصالح مع العدو الرئيس للشعب السوري والعربي عامة،أعني ارتباط النظام بعجلة الصهيونية العالمية التي وظفته حارسا لما يسمى بشمال إسرائيل,نتيجة لهذا وغيره فقد أخذت الطبقة المتوسطة والتي تشكل معظم أهالي تلبيسة تنحسر لتنضم إلى فئة الطبقة الفقيرة،وطبعا هذا الفرز ينطبق على سائر المجتمع السوري،من حيث تمدد الطبقة الفقيرة،وانحسار المتوسطة،وزيادة الطبقة الغنية عددا لصالح فئة واحدة من الشعب السوري وهي طبقة الحاكم وأسرته وطائفته وبعض من يتخذهم متكأ لاستمراريته في الحكم...
واستجابة لهذه الحالة،أو لنقل كردة فعل متحضرة ...تنادت فئة من الشباب المتنورين لتشكيل جمعية خيرية تقوم بخدمة الفقراء وأصحاب الحاجة في المدية أسموها(جمعية البر والخدمات الاجتماعية)وعلى الرغم من التضييق عليهم من قبل السلطات متمثلة في الأمن وغيره إلا أنهم أصروا على المتابعة حتى وصل الحال بالجمعية إلى أن أصبحت توزع مرتبات شهرية لأكثر من مئتي أسرة فقيرة في المدينة،إلى جانب بناء مركز طبي يعالج المرضى الفقراء(المسجلين في الجمعية)مجانا ويعطيهم الدواء مجانا أيضا،ويقدم الخدمات الصحية لسائر أهالي تلبيسة بأسعار مخفضة جدا ،كما بدأت الجمعية ببناء مستشفى تابع لها.وقد تم البناء والتجهيزات الكاملة ،وكان من المفترض أن يبدأ عمله ،إلا أنه وبعد انطلاقة الثورة كان هدفا ثمينا للنظام وشبيحته،فقد دمروه كما دمروا العيادات الخارجية،وجعلوه مركزا لشبيحتهم ...واستمر ذلك حتى تم تحرير المدينة من (الحواجز)والتواجد الكثيف للنظام..إلا أن المستوصف والمستشفى أصبحا مجرد هياكل بناء شبه مهدمه كسائر المدينة،وذلك إمعانا من أتباع النظام في الانتقام من مجتمع تلبيسة،والذي يلح دائما على إظهار مخزونه الحضاري ،وبخاصة خلال الأزمات التي يتعرض لها المجتمع...سأقف هنا اليوم....وقد بدأت أتهيب من الأجزاء التالية لأننا وصلنا إلى المرحلة التي بلغ فيها الحمل أشهره الأخيرة....وستولد الثورة....ذلك أنني لم أحضر فعاليات الثورة عمليا على الأرض إلا خلال(الجمعتين)الأولى والثانية ،وذلك نظرا لعملي خارج القطر من جهة،ولأنني مطلوب للسلطات لأسباب أجهل الكثير منها......لذلك قد أتأخر في التأريخ للمرحلة القادمة حتى آخذ الأحداث من أفواه أصحابها.














avatar
أبو البراء

المساهمات : 260
تاريخ التسجيل : 14/02/2010
العمر : 67

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى