صور حضارية من مجتمع مدينة تلبيسة....عبد الرحمن سليم الضيخ......

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

صور حضارية من مجتمع مدينة تلبيسة....عبد الرحمن سليم الضيخ......

مُساهمة  أبو البراء في الثلاثاء أغسطس 21, 2012 5:05 pm

الجزء الأول والثاني إلى الجزء السابع
لابد لنا وقبل أن نعرض معطيات موضوعنا من الإشارة إلى معنى كلمة (الحضارة )التي أعنيها هنا في موضوعي....لاشك أن الباحثين قد اختلفوا في تعريف مفهوم الحضارة...ولكنهم جميعا اتفقوا على فكرة في تعريفاتهم وهي (رقي التعامل بين فئات المجتمع على وفق أسس ومباديء سامية يعتنقها هذا المجتمع أو ذاك...)ومن هذه الزاوية سأحاول أن أنقل صورة للعلاقات التي كانت تحكم مجتمع مدينة تلبيسة كشاهد عيان على فترة زمنية تمتد على أكثر من ستين عاما ,ولعل فيما سأورده جوابا على تساؤلات عديدة تدور في أذهان الملايين الذين أخذوا يتساءلون عن (تلبيسة)..أين...ومتى...وكيف....ولماذا......يدفعهم إلى هذه التساؤلات مايقوم به اهلها من مشاركة فاقت في الموازين حجمهم العددي وإمكاناتهم المادية ....أعني مشاركتهم الفاعلة في ثورة الكرامة التي تشهدها سوريا ومنذ أكثر من سنة ونصف ،وما قدموه من تضحيات فاقت نسبيا مثيلاتها في سائر المدن السورية...إلى جانب احتضانهم ولأكثر من عام لضعف عددهم من اللاجئين من المدن كون تلبيسة كانت شبه محررة من التواجد للنظام وآلته الباغية منذ الشهر الأولى للثورة......ثم تركيز النظام عليها وهدم منازلها وتشريد أهلها واللاجئين فيها .
تعود بي الذاكرة إلى أواسط الخمسينات من القرن الماضي حينها كان عدد سكان القرية (6400)نسمة فقط وهذا العدد كنت أراه في دفاتر النفوس الموجودة في بيتنا حيث كان والدي رحمه الله مختارا للقرية....أما الأحياء فكانت عبارة عن عدة احياء تسكنها عائلات عدة تعمل جميعا في الزراعة......وتحكم العلاقات بينها عداوات تقليدية أو تجمعات بين العائلات ..وطبعا هذه مظاهر سلبية يشترك فيها كل الريف السوري بل والعربي...غير أن هذا التناحر بين العائلات كان على الرغم من خطورته كان شبه سطحي ..أقول هذا وأورد برهانا على ذلك.....فلو توفي شخص من عائلة ما فإن سائر العائلات في تلبيسة حتى المعادية لعائلة المتوفى تشارك في التشييع والتعزية وتمتنع عن إقامة الأفراح سنة كاملة،كمشاركة وجدانية منها لأسرة المتوفى ،ثم لو حدث وأصيب أحد أفراد الأسرة بمصيبة كوفاة زوجته أو تهدم منزله جراء الأمطار الغزيرة والتي كانت تستمر من نهاية فصل الخريف إلى نهاية فصل الربيع أو نفق حيوان من حيواناته ،تجد كل أفراد الأسرة يتسارعون لتعويضه فورا عما فقد ،حتى الزوجة إن فقد زوجته فإنهم وقبل عودتهم من المقبرة يعقدون له على بنت أحدهم ويحضرونها إلى بيته حتى لايخلو البيت من امرأة كونها عماد البيت ومحركه والتي تعنى به وبالأولاد ......ولعلي لاأنسى أبدا أن بعض الذين لايملكون أرضا زراعية من أهل تلبيسة كانت مواسمهم تساوي موسم من يمتلك أرضا واسعة وذلك من هبات وصدقات وزكاة مواسم الأغنياء والتي يخرجونها قبل أن يدخلوا مواسمهم إلى بيوتهم .
لم أذكر ماذكرته كتأريخ لمرحلة أو عادات وإنما لأثبت أن أهلنا في تلبيسة ومنذ القديم كانوا في معاملاتهم ينطلقون من منطلقات حضارية إنسانية راقية....هذه المعاملات تربوا عليها تربية عملية ورضعوها مع حليب أمهاتهم ،ثم لن أنسى أن أذكر أن كل العائلات حتى المتناحرة كانت تشترك في الدفاع عن القرية ضد هجمات اللصوص وقطاع الطرق ،وقد تكررهذا الموقف حين رأيت شبابنا من كل الأسر التلاوية ومن الوافدين على تلبيسة والذين أصبحوا جزءا هاما من نسيجها الاجتماعي والاقتصادي والذين تجاوز عددهم ال(15000)كلهم يتجمعون تحت قياداتهم ليدافعوا عن تلبيسة وأهلها ضد هجمات عصابات النظام الفاسد ،وهنا تتحقق مقولة(التاريخ يعيد نفسه)بشكل جلي وواضح.
وما زلت أذكر كيف أن كل الخلافات التي تحدث بين الأهالي كانت تحل من قبل الكبار في وقت قياسي وتعود المياه إلى مجاريها دون أن تترك أثرا.
ولعلي وقبل أن أنتقل إلى مرحلة أخرى أذكر أن بعض الأشخاصوالذين يشتهرون بكثرة شرورهم كانوا يلاحقون ويضطرون إلى الهجرة من تلبيسة...بل ومن كل سوريا ،وهذا مايمكن أن نسميه بالدفاع الجمعي عن المجتمع.
ثم لابد لي أن أذكر لمحة عن الحياة الديمقراطية والتي كانت تمارس قي المدينة كونها جزءا لايتجزأ من ديمقراطية سورية راقية ....فحين كانت تحدث الانتخابات كنت ترى مظاهر الديمقراطية الحقيقية،فلا يمكن أن تجد من يجبرك على أن تنتخب من لاترضاه أو يتدخل في اختيارك ةلا تجد الأمن يراقبك ويعتقلك إذا لم تنتخب الزعيم المفترض....ولن أنسى ماحييت كيف أن كل أهل تلبيسة احتقروا وما يزالون يتندرون على رجل مسن(توفي رحمه الله)وقد وقف على باب مركز الانتخابات النيابية وبيده بطاقة هويته ويتحدث غلى أحد المرشحين ويقول له (صوتي بخمس ليرات)....وحتى يومنا هذا يعير أهل تلبيسة أبناءه بقولهم(أبوكم باع صوته بخمس ليرات)....أن لن أعلق على هذه الحادثة وعلى ماذكرته سابقا من سلوكات جمعية كانت سائدة في مجتمع تلبيسة...وسأترك للقاريءالحيادي أن يستخلص حقائق واضحة يتصف بها التلاويون ومباديء تحكم علاقاتهم الاجتماعية.......لن أطيل ...سأقف هنا ...وأعود في جزء آخر من هذه المقالة قريبا إن شاء الله.

الجزء الثاني
في الجزء الأول من هذا المقال حاولت أن أعرض بعض مظاهر التعامل الحضاري الراقي التي كانت تحكم أسس الجياة الاجتماعية في مجتمع تلبيسة في الخمسينيات من القرن الماضي والتي هي امتداد إرث من الأجداد ،وأوضحت أنها كانت تشكل سلوكا لايخرج عليه أي فرد من أفراد هذا المجتمع...زأما في هذا الجزء من المقال فسأعرض بعض الأحداث التي جرت في أواخر الخمسينيات وما بعدها وصولا إلى نهاية الستينيات .
كنا تلامذة صغارا في المرحلة الابتدائية في مدرسة القرية الوحيدة والتي بنيت معظم غرفهاعلى نفقة بعض الميسورين من الأهالي ،كان اسمها (مدرسة تلبيسة الريفية)....غرف الصفوف كانت تغص بالتلاميذ ،أذكر أننا كنا في الصف الأول نأخذ جانبا من الغرفة لأن الجانب الثاني كان مخصصا للصف الثاني...وكان الأستاذ يعطي الدرس لصفنا ثم ينتقل لإعطاء الدرس للصف الثاني لاأذكر هذا للتندر والأسف ولكنني أذكره لأعرض اندفاع الأهالي إلى تعليم أبنائهم وتنويرهم ،لدرجة أن الأب كان يحضر ابنه إلى المدرسة ويقول للمدرس (ياأستاذ هذا ابني أريده أن يتعلم ،ولكم اللحم ولي العظم)بمعنى لاترحموه إذا لم يتعلم.....صحيح أننا في مفهومنا التربوي اليوم نرفض هذا المنطق ،إلا أنه يعكس مدى حرص أبناء تلبيسة على تعليم أبنائهم ،ليصبحوا أعضاء نافعين لمجتمعهم ويساهموا في نهضته وتقدمه.
أيضا سأعرض حادثة صغيرة بسيطة توضح مدى وعي أهل تلبيسة ،حتى البسطاء منهم ورقي فطرتهم وسلامتها ،وتمثلهم لمباديء الحق والألفة والشريعة السمحاء ،وحسن الجوار يتمثلون كل هذا سلوكا لايخرجون عليه.
لم يكن بين دارنا ودار جيراننا أي جدار يفصل بينهما،وكان تربطني مع ابن الجيران علاقة أخوة من الرضاعة وصداقة ،كنا دائما نلعب معا ونلهو ،وغالبا ماتحدث شجارات طفولية تنتهي في وقتها...
ذات مرة كنا نلعب في مكان اسمه حينها(البيدر)...تشاجرنا على لعبة وتعالت أصواتنا فأخذت قطعة عظم من الأرض ووجهتها إليه فأصابته في جبينه، أعلى عينه، فاندفع الدم...طبعا أنا لذت بالفرارمن منظر الدم...لكن تعرفون من أين ذهبت إلى بيتنا؟؟؟عبر دارهم....بعد قليل سمعت أمه والتي هي أمي من الرضاعة تنادي أمي (رحمهما الله)باسمها وتقول لها (تعالي خدي حسن ليكي عبدو طرحه وراضيّن وعملي لن مقلي بيض أنا ماني فاضية عما أخبز)طبعا أمي خرجت وسلمت على أمه وأخذته من يده وهي تقول (الله يقرف عمرك ياعبدو شلون طارح أخوك)...أخرجتني من الغرفة وهي تمسك بأذني وتقول لي (تباوسوا ولاك عيب عليكن ..أنتو أخوة)...وجلسنا ننتظر(مقلي البيض)أكلنا معا ..وخرجنا نعاود اللعب معا وكأن شيئا لم يحدث.....هكذا كانت الخلافات تحل وبسرعة ،ولا تترك أثرا .
لاأظن أن باحثا حياديا يستطيع أن يخرج هذه السلوكات من دائرة الحضارة الاجتماعية الراقية...
في عام (1958)تحققت الوحدة بين سوريا ومصر ،حيث أصبحتا دولة واحدة تحت مسمى (الجمهورية العربية المتحدة)فرح الشعب في البلدين ،هللوا وكبروا ،واعتبروا أن الحلم العربي قد بدأ يتحقق وبخاصة حين اندفعت دولة الوحدة لمساعدة الدول العربية المستعمرة للتحرر ،وفعلا تحررت دول عربية عدة ،جراء هذه المساعدات،وقد امتلأت نفوس الشعب السوري بمشاعر الفرحة ،تجلى ذلك في الاستقبالات الرئعة التي كانت تجري للرئيس جمال عبد الناصر رحمه الله حين يزور سوريا.....وأهالي تلبيسة لم يكونوا بمعزل عن هذا فقد كانت المشاعر متأججة والفرحة أكبر من مساحات القلوب......أذكر أنني كنت طفلا في الصف الرابع ..وكنت مع فرقة الكشافة في المدرسة.....وكلن الرئيس يقوم بجولة في الإقليم الشمالي(اسم سوريا في دولة الوحدة)خرجنا لاستقباله واجتمع الأهالي كلهم رجالا ونساء وأطفالا واصطفوا على جانبي الطريق الدولي...وبعد أكثر من ساعتين جاء الرئيس...والمفاجأة أن الأهالي اندفعوا وحملوا سيارة الرئيس وساروا بها أكثر من مئة متر تعبيرا عن حبهم له كرمز للوحدة العربية.....أيضا أقول كما قلت في السابق :لم أذكر هذه الحادثة سعيا لإبراز سياسة ما...ولكنني أذكرها لأعرض مدى أصالة عروبة أهالي تلبيسة وحبهم وتمسكهم بانتمائهم العربي .....ألا يعكس ذلك مظهرا راقيا من مظاهر الحضارة؟؟؟
وقبل أن أقف اليوم أود أن أذكر حالة أقل مايقال فيها أن أهالي تلبيسة يستحقون أن تسمى قريتهم (أم المساكين)
في نهاية الخمسينيات وأوائل الستينيات من القرن الماضي أصاب سوريا قحط وانحباس للمطر دام سنوات....وبما أن تلبيسة تروى أراضيها من قناة تخرج من بحيرة قطينة على نهر العاصي لم تشعر بهذا الجفاف كغيرها من قرى ومدن سوريا ،فأخذت عائلات كثيرة تفد إلى تلبيسة من ريف حماة وحلب وإدلب للعمل فيها وبخاصة خلال جني موسمي الحبوب والقطن،ومع مرور الزمن بدأت هذه الأسر تترك قراها وتستقر في تلبيسة حتى شكلت حيا كاملا سمي (المسجر)وقد تضاعفت أعدادهم حتى بلغت اليوم أكثر من (15000)نسمة،هؤلاء جميعا أصبحوا جزءا من نسيج المجتمع التلاوي ،وقوة اقتصادية فاعلة،وأصبحت لهم دورهم وأراضيهم ومزارعهم،وحدث تزاوج بينهم وبين عائلات تلبيسة ،ونقلوا(نفوسهم)إلى تلبيسة وشكلوا جزءا لايتجزأ من أهالي تلبيسة....الشيءالرائع الذي تم هو القبول شبه المطلق لهم من قبل مجتمع تلبيسة ،دون أية مشاكل تذكر كما يحدث في بقية المناطق والتي تعتبر الوافد إليها غريبا حتى لو استمرت إقامته فيها مئة عام....ألا يعتبر هذا دليلا قاطعا على فطرة حضارية راسخة في نفوس أهالي تلبيسة؟؟؟
يبدو أنني سأقف هنا حرصا على راحة القاريء على الرغم من أنني وعدت في بداية هذا الجزء من المقال أن أتناول مرحلة أواخر الخمسينيات ومرحلة الستينيات......فليعذرني القاريء ..فأنا حريص على راحته ،وحتى لايصيبه الملل.....وإلى اللقاء غدا إن شاء الله.
الجزء الثالث:
لاأكتمك قارئي العزيز أنني بدأت أشعر بمايشبه الخوف من متابعة مابدأت به ،ذلك أن المراحل القادمة غنية بالكثير الكثير مما يجب أن يقال ،ولا يمكن إغفال شيءمنه لذلك قلت أنني أشعر بشيء من الحيرة أمام تراث غني بما يجب أن يؤرخ ،وأمام ضعف ذاكرة قد يقود أحيانا إلى إغفال بعض مالايجب إغفاله...لذل قررت ،وبعد الانتهاء من هذه الدراسة أن أخصص دراسة لذكر مايمكن أن أكون نسيته أو أغفلته غير عامد،....ولهذا أطلب العون منكم وأستنجد بكم أن تزودوني أو تذكروني بما يمكن أن يغيب عني...وذلك حتى نوفي مدينة الحب - شامة المسك_أم المساكين-حاء الحضارة بعض حقها علينا....
الآن نحن في مرحلة الستينيات من القرن الماضي.....هذا العقد من الزمان حفل بأحداث ماتزال سوريا تعاني من آثارها،وبصورة خاصة مدينتنا تلبيسة والتي تحظى بالقدر الأكبر من حقد فئة من الضالين والذين نعم أكثرهم بخيراتها ،حيث كانوا يقدمون إليها للعمل والتكسب مرتين كل عام....
في بداية الستينيات نفذ مايسمى (حزب البعث العربي الاشتراكي)أول مرحلة من مراحل المؤامرة الدنيئة والتي خطط لها الفرس والاستعمار الغربي ،وهي مؤامرة الانفصال بين سوريا ومصر...وذلك خدمة للصهيونية التي كانت –وسيذكر التاريخ هذا بالتفصيل-وراء تشكيل هذا الحزب ليكون بديلا للإسلام وليؤدي دور حماية شمال مايسمى(اسرائيل)وباشرت قوى الشر بدعم هذه الصيغة المشبوهة،وسوقتها باسم القومية،وتاجرت بقضية الشعب الفلسطيني حتى تمرر مخططها للسيطرة على الحكم في سوريا،وقد رفعت شعارات براقة لتمرر أهدافها،،،فمثلا رفعت شعار محاربة الطائفية...مع العلم أن المجتمع السوري لم يعرف هذه المصطلحات من قبل لانظريا ولا عمليا،والذي اتضح فيما بعد أن رفع هذا الشعار كان مظلة لتمرير مخطط طائفي قذر يقضي بسيطرة فئة من الشعب السوري على الجيش وسائر مفاصل الحياة،مع الإشارة إلى أن الحزب والذي استطاع أن يقوم بانقلابات عدة حتى أوصل حافظ الأسد إلى الحكم ،كان يشجع أتباعه على زرع الفساد في المجتمع السوري ،وإفساد الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وزرع الشقاق بين فئات الشعب ليضمن بقاءه في الحكم....أذكر على سبيل المثال لاالحصر أن السوري أصبح وبعد عقد أو عقدين من حكم البعث لايستطيع إجراء أية معاملة في دائرة حكومية إلا بدفع رشوة للموظف ،حتى أصبحت الرشوة قاعدة والشرف شواذا....لن أستطيع الاسترسال في ذكر المفاسد التي خطط لإشاعتها حزب البعث لأن هذا يحرف البحث عن فكرته ...
وقد أصاب تلبيسة من الضرر ماأصاب سائر المدن السورية،بل لعلها حظيت بالحصة الأكبر من الاهمال والإفساد ...ولعلي أذكر مضطرا الخطوة الأولى التي قام بها البعث في تلبيسة لإذلال عائلاتها وجعلها دائرة ي فلك محدد.....فكما هو معروف عن تلبيسة أنها مجتمع موحد دينيا ومذهبيا.....ويتألف أعلبها من عائلات عدة معروفة تشكل أكثر من 99بالمئة من سكان تلبيسة...إلى جانب بعض العائلات قليلة العدد والتي هي في الأغلب وافدة حديثا إلى تلبيسة...فقد أخذ النظام المشبوه يستدرج بعض شباب هذه العائلات ويساعدهم وينصبهم كقيادات لهذا الحزب مدعومة من قبل الأمن ،وقد أخذ هؤلاء وبتشجيع وترهيب وترغيب يرفعون التقارير التي تحتوي على اتهامات سياسية بشباب من أهالي تلبيسة ،الشيء الذي يقف عائقا أمام دخولهم الجيش أو الوظائف....إلى جانب أن من يسمون رجال الأمن كانوا يساعدون بعض الشباب المنحرفين لتشكيل أوكار (تحشيش وسكر وعربدة)ويجذب هؤلاء الشباب الصغار إليهم لغرض إشاعة الفساد بين شباب تلبيسة.....لكن المجتمع التلاوي المتماسك اتخذ وسيلة الدفاع السلبي والسري ...فقد أفرد هؤلاء الفاسدين...وأشار إليهم وإلى المتعاونين (المخبرين)مع الأمن ...وعرّف بهم بين سائر فئات المجتمع،وهذا بحد ذاته شكل من أشكال القيم الحضارية الموروثة والتي تدافع عن بنية المجتمع ضد الفساد مهما أوتي من قوة.
ولعل السياسة التي انتهجها البعث والتي تقضي ألا يستلم إدارة او وظيفة إلا من ينتمون إليه دفعت بعض شباب العائلات الكبيرة للانتساب إليه للحصول على وظيفة أو إدارة.....لكن هؤلاء لايمكن أن يسمح لهم بتجاوز حدود مدينتهم الصغيرة في مجال السلطة.....ولعلني هنا أذكر أيضا ماقام به هذا الحزب المشبوه من بذر التفرقة في نفوس التلاويين وأهل الرستن بعضهم ضد بعض لدرجة الحقد والكره الشديدين بين أهالي المدينتين.
أذكر أنني كنت مع أحد الزملاء من الرستن في حمص ودخلنا بناء على اقتراحه إلى عيادة طبيب من الرستن ...وهو شقيق أحد أعضاء القيادة القطرية...وبعد أن سلمنا وعرفه علي ...قلت له ممازحا (شو تلبيسة وشو الرستن...تلبيسة أخت الرستن)وفجأة احمرت عينا الطبيب وصرخ في وجهي قائلا(شو؟؟؟!!!تلبيسة أخت الرستن؟؟؟!!!)واستطرد(تلبيسة..........الرستن)قال كلمة ينبو لساني عن ذكرها.......ولم يرع أنني ضيفه وبصحبة أحد أصدقائه وأبناء بلده....فاستأذنت وخرجت دون أن أنبس ببنت شفة.......ذكرت هذه الحادثة لأدلل على خطورة الجريمة القذرة التي زرعها النظام على وفق مخطط مدروس بين فئات الشعب في المدينة الواحدة أو مابين أهالي المدن المتجاورة وبخاصة المتماثلة والمتقاربة اجتماعيا ودينيا ومذهبيا حتى يبقي على سيطرته من منطلق فرق تسد ........سأضطر أيضا للتوقف هنا كما قلت من قبل حرصا على ألا يصيب القايء الملل ...وأتابع غدا إن شاء الله.
الجزء الرابع:
في أوائل الستينيات من القرن الماضي وخلال الوحدة بين سوريا ومصر بديء بتمديد خطوط كهرباء للمدينة ،ولكن الكهرباء لم تعمل فعليا حتى النصف الثاني من العام الحادي والستين حيث كانت يد البعث قد امتدت إلى جسد الوحدة ففصلت الرأس عن الجسد لتبدأ بتنفيذ مراحل مخططها الإجرامي،حينها لم يكن في تلبيسة غير مدرسة واحدة ذكرتها من قبل إلى جانب أن الأهالي استأجروا غرفة في منزل أحد الأهالي لافتتاح مدرسة لتعليم البنات(دار نايف الضاهر)...ذكرت هذا لأتساءل تساؤلا أراه مشروعا وهو:
على الرغم من قلة عدد المتعلمين حينها في تلبيسة(كان فيها ثلاثة معلمين فقط هم :مسلم الضحيك-غازي الشيخ حمود-محمد الشيخ حمود إلى جانب رابع من تلبيسة لم يكن يعلم فيها وهو المرحوم الشيخ خالد الشيخ حمود) فإنها شهدت حراكا سياسيا كبيرا،فقد تواجدت معظم الأحزاب التي كانت على الساحة السورية أذكر منها(الاتحاد القومي –الحزب الشيوعي –حزب الشعب-حزب البعث والذي جاء من اندماج حزبين هما حزب البعث والحزب العربي الاشتراكي –جماعة الإخوان المسلمين وهم أقدم جماعة سياسية دينية في تلبيسة)ولولا أنني أخاف على مشاعر أبناء وأحفاد من كانوا في هذه الأحزاب لذكرتهم واحدا واحدا،ومما يلفت النظر تمسك كل من هؤلاء بمباديءحزبه تمسكا عقائديا قويا لدرجة أن الكثيرين منهم اعتقل وعذب وأهين ولم يتراجع عن مبادئه....هنا أقف لأقول أن هذه الظاهرة على الرغم من تباين المباديء ومخالفة بعضها لمثل وأعراف ومعتقدات المجتمع ،فإنها ظاهرة إيجابية حضارية وجدت في وقت مبكر جدا في تلبيسة مما يدل على وعي سياسي متقدم في مرحلة مبكرة في سوريا.
وأضيف أن من أعضاءهذه الأحزاب كانت بعض النسوة على قلة عددهن وهذا دليل آخر على وعي سياسي وهو جزء من وعي حضاري لم يكن وافدا على مجتمعنا وإنما كان موروثا .وقد فاتني أن أذكر أن بعض التجمعات السياسية كانت تقوم بتدريب عناصرها تدريبات عسكرية وخصوصا تدريبهم على الرمي بالبندقية مرة كل أسبوع كجماعة الإخوان المسلمين ،حيث كانوا يتخذون من الجهة الشمالية الغربية للقرية(وراء القلعة) حيث ينصبون (الدريئة)جانب الطرف الشمالي للقلعة حيث تنحدر بشكل شبه عمودي ،ويمارسون تدريب عناصرهم هنا ك.وكان يشيعون أنهم يدربون عناصرهم لتجهيزهم للحرب في فلسطين لتحريرها من اليهود.
ولابد لي أن أذكر أن عددا من شباب تلبيسة شاركوا من قبل في حرب فلسطين واستشهد بعضهم في هذه الحرب...
والشيءبالشيءيذكر ،،،أذكر هنا أن أحد الفلسطينيين الذين هاجروا بعد النكبة وصل مع أسرته إلى تلبيسة فقام أهلها فورا بالتبرع له واشترى دارا وسيارة شاحنة ماأزال أذكر شكلها وهي اول شاحنة تدخل تلبيسة وظل فيها حتى أواخر السبعينيات حيث باع داره وانتقل مع أسرته إلى مخيم العائدين في حمص...ماأزال أذكر اسمه (أبو عدنان الفلسطيني).
لن أستطيع ذكر الأحداث السياسية لأنها كثيرة على الرغم من أنها أحدثت تغيرات في مجتمع تلبيسة،وبخاصة بعد أن بدأ المجتمع يتوسع أفقيا وعموديا،وبدأت مظاهر الحياة تتغير بشكل بطيء وتحدث تغيرات هامة في المجتمع.فعلى سبيل المثال أذكر اننا كنا في العام 1969-1970تماما (48)طالبا في الثانوية في كل تلبيسة،وطبعا لم تكن عندنا مدرسة ثانوية ،كنا جميعا نذهب إلى مدارس حمص للدراسة فيها.....تقدم إلى الامتحان منهم(46)...وكانت النتيجة رائعة حيث نجح(38)طالبا منهم.....وبما أننا لاحظ كبير لنا في الذهاب إلى الجيش(الكلية الحربية) حيث يحتاج الأمر إلى تقرير أمني لن يكون إيجابيا من (أمين الحلقة حينها)فقد توجه معظمهم إلى (دار المعلمين)ليختصروا الطريق ...والقليلون انتسبوا إلى الجامعات ،وكنت واحدا منهم حيث انتسبت إلى جامعة حلب قسم الغة العربية ،منطلقا من حبي للشعر منذ صغري.
ومانصل بداية السبعينيات حتى نجد أن عدد المدارس قد بدأ يزداد...حيث اكتملت الثانوية...وإعدادية للبنات...وبدأ عدد الطلاب والخريجين يزداد ...وتخرج أول طبيب في تلبيسة(الدكتور خالد المروان)...وافتتحت صيدلية(صيدلية عمر بكور) ..تلتها صيدليات أخرى ...وازداد عدد الأطباء والمعلمين إلى درجة مايقرب من الاكتفاء الذاتي منهم في مدارس البلدة....هنا صار اسمها بلدة بدلا من قرية.
أما التغييرات على الأرض فقد ظهرت في تعبيد بعض الشوارع وامتداد البناء بشكل أفقي حتى شمل مساحة واسعة من الأراضي الزراعية في جنوب البلدة ،وحيا كبيرا في شمال البلدة القديمة(المسجر القبلي-المسجر الشمالي).
أما من الجانب الاقتصادي فقد توجه أهالي تلبيسة وجهة كانت في البداية رديفة للزراعة ،لكنها فيما بعد أخذت الاهتمام الأول منهم وهي اقتناء سيارات الشحن لدرجة أننا نصل إلى أن ثلث أسطول سوريا من سيارات الشحن كان في تلبيسة والرستن...أقول كان لأنهم زحزحوا عن مكانتهم بعد أن تنبه لصوص النظام وأصدروا تشريعات تتيح لهم استيراد أساطيل من سيارات الشحن بما نهبوه من أموال الشعب السوري...وتعفيهم من الضرائب ودفع (الجمارك)لعملية الاستيراد.وقد سموه(المرسوم رقم10)...أيضا بدأت المحال التجارية يتضاعف عددها وتتنوع لدرجة أن ابن تلبيسة لم يعد بحاجة إلى أن يذهب إلى حمص لشراء حاجياته منها لأنه يجد كل مايحتاجه في محلات تلبيسة التجارية......سأضطر للتوقف هنا لنفس السبب الذي ذكرته من قبل وأتابع غدا إن شاء الله.
الجزء الخامس:
قبل أن أبدأ بالجزء الخامس أود أن أستدرك مانبهتني إليه إحدى طالباتي والتي أعتز أنني كنت يوما ما أستاذها،وأرفع رأسي بها لتواضعها وعملها بصمت من أجل بلدها ،وهي الدكتورة خولة الحديد والتي كانت أول فتاة من تلبيسة تحوزعلى مرتبة الدكتوراه ...فقد نبهتني أنني لم أذكر اول محام في تلبيسة وهو الأستاذ سليمان الطه ونسيت أن تذكرني أنها أول امرأة تحرز شهادة الدكتوراة من بنات تلبيسة.....فأنا أدين بالشكر لها .
نحن الآن في بدايات السبعينيات من القرن العشرين...هذا العقد كان الأخطر على الحياة في كل سوريا وليس في تلبيسة فقط....فقد شهد أول صعود علني لقادة المخطط الطائفي القذر،فقد استطاع من سمى نفسه القائد الملهم(حافظ الأسد)أن ينقلب على رفاقه في الحزب والسلطة ويزجهم في السجون ،ويصطنع معه بعض أغبياء القرن ممن ساعدوه على أن يتسلق إلى هرم السلطة عن طريق إجراء انتخابات صورية مزورة كانت نتيجتها مبعث سخرية في العالم(99.999)بالمئة....ولعل الخطورة تكمن في جمعه لكافة السلطات في يده دون منازع....وقد تابع استخدام شعار محاربة الطائفية لتنفيذ أجندته الطائفية،فأخذ يكيل الاتهامات للضباط الشرفاء ويسرحهم أو يزجهم في السجون والمعتقلات ،وفي الوقت نفسه مرر قناعة للطائفة العلوية بأنها مستهدفة وأن على شبابها أن ينخرطوا في سلك الجيش كي يحموا طائفتهم وتستمر سيطرتهم على الحياة السورية بكل جوانبها.
وقد لجأ إلى تقوية نفوذه ونفوذأسرته وطائفته عن طريق إسناد مهمة (الدفاع عن الثورة)إلى اخيه رفعت الأسد حيث شكل ماسمي حينها ب(سرايا الدفاع)والتي ضمت معظم الشباب الفاشلين تعليميا من الطائفة العلوية إلى جانب ضباط منها،وقد خصصت لها اعتمادات ضخمة على حساب مخصصات الجيش وسلحت بأحدث الأسلحة وأعطيت لها سلطات لم تعط لغيرها حتى أخذت في مرحلة متقدمة تشكل عبئا على النظام نفسه،ولكن أهميتها بالنسبة للنظام كانت أكبر من المشاكل التي كانت تسببها،وقد ساهمت في إخماد حركات كثيرة قامت ضد النظام،ليس أولها مجزرة سجن تدمر وليس آخرها مجازر حماة والمشارقة في حلب ومجزرة القامشي وغيرها من المجازر التي راح ضحيتها مئات الآلاف من السوريين الأبرياء.
أرجو من القاريءالعزيز ان يعذرني لأنني استطردت في ذكر حوادث ليست من المجتمع التلاوي كما يبدو للوهلة الأولى...ولكنني قد أخالفه الرأي هنا إن ذهب هذا المذهب ،ذلك ان تلبيسة ليست في معزل عن هذه الأحداث بل لعلها تحملت منها مالم تتحمله غيرها تقريبا،ففي مجزرة تدمر قتل من شبايها من كان معتقلا فيه..أذكر هنا الشهيد بإذن الله (محمود البخشين)والذي يقال أنه كان من ضحايا تلك المجزرة،أما احداث حماة فقد كانت تلبيسة تتصدر المدن التي وفد إليها الآلاف من اهل حماة هربا من جحيم القصف الهمجي والتصفيات وهدم المنازل والاغتصاب والسرقة والنهب التي كان جنود الأسد يمارسونها ضد المدنيين في حماة..أذكر على سبيل المثال أن أحد الجنود البسطاء حدثني أن رفعت الأسد قد اجتمع بهم وقال لهم إننا سنهاجم اليهود في تل أبيب ..وكل شيء مباح لكم اقتلوا وانهبوا ولا تبقوا على أحد منهم......هذا ليس ادعاء وإنما واقع أشهد به....وهنا تتجلى حمية وكرم وتحضر أهل تلبيسة ..وأصالتهم ...كنت لاتجد بيتا من بيوت تلبيسة إلا واستقبل أسرة او اكثر من الهاربين من جحيم جنود الأسد ...واستمر الحال أشهرا حتى انتهت المأساة بإبادة وهدم أحياء وقتل أكثر من مئة ألف وتشريد أكثر من مئتي ألف من أهل حماة مايزال حتى اليوم معظمهم مشردين في بلدان التغريب،وقد عادوا إلى ماتبقى من بيوتهم وما أبقى جنود الأسد لهم من أثاث مبعثر مما لم يستطيعوا حمله ......ولعلي هنا أؤكد الفكرة التي انطلقت منها في عنواني وهي صور حضارية من مجتمع تلبيسة.....ألا يجد القاريء فيما فعله أهل تلبيسة مع أهالي حماة النازحين إليهم صورة رائعة من صور الحضارة الأخلاقية بأبهى أشكالها؟؟؟.وهل يظن القاريءالحيادي أن هذه المظاهر كانت وليدة اللحظة؟؟؟؟لاأعتقد هذا،إنما هي تراكم حضاري وثقافي يملأ نفوس التلاويين ويصبح سلوكا راقيا عند اللزوم ،وبشكل قل نظيره.
ولايظنن القاريءالحيادي أن تلبيسة لم تدفع ثمن حضارتها الأخلاقية غاليا،فقد تأجج حقد النظام الطائفي عليها إلى درجة أنه أخذ في السر والعلن يصفها وصوفات سلبية أقلها (التخلف)كما أفرد لها عناصر من أمنه لتعيث فسادا فيها وتجند بعض شبابها الجاهلين ليعملوا مخبرين على أبناء بلدهم تحت وطأة الترغيب والترهيب....ولم يكتف هؤلاء بتجنيد الشباب بل فضحوهم بين أبناء بلدهم حتى يؤججوا الحقد والكره بين أبناء البلد الواحد،وليفككوا مجتمعا عرف في كل المحافظة بقوته وترابطه وحرصه على العادات والتقاليد الإيجابية لدرجة أن تلبيسة سميت(أم المسالكين).ومما زاد الطين بلة أنهم أخذوا يتجسسون على المكالمات الهاتفية،وحين يجدون أن شابا يتكلم مع فتاة قد يكونا متحابين فإنهم يرسلون إليهما ويهددونهما بالفضيحة إن لم يصبحا مخبرين على أهلهما وأبناء بلدهما....فهل سمع أحد من القراء أو قرأ عن أسلوب رخيص تستخدمه الدولة ضد رعاياها كهذا الأسلوب؟؟؟
أنا مضطر أن أقف هنا ليس حرصا على ألا يمل القاريء فقط وإنما لأنني أشعر بألم مضاعف حين أتذكر هذه الأساليب الوضيعة....وإلى الغد إن شاء الله حيث نلتقي مع الجزء السادس إن أحيانا الله.
الجزء السادس:
مانزال في السبعينيات من القرن العشرين،هذا العقد الذي شهد مايمكن أن نسميه نقلة نوعية للمجتمع التلاوي،من الناحية الاجتماعية والاقتصادية وحتى السياسية على سوء أدائها....فقد شهد هذا العقد حركة عمرانية نشطة ،فقد أخذ العمران يتسع أفقيا باتجاهين الجنوب والشمال لدرجة أننا لانصل إلى منتصف الثمانينيات حتى نشهد توسعا فاق في البناء والاتساع المدينة الأساسية،فقد وجد حيّان كبيران هما كماذ كرت سابقا(المسجر القبلي-المسجر الشمالي)وقد بني هذا الحيان بشكل منظم ،من حيث اتساع الشوارع ووجود مساحات خدمية ،ومدارس ومساجد متعددة.....ومساحات مخصصة للحدائق والأسواق التجارية.......تحت مراقبة من (البلدية)والتي تأسست منذ عام 1939ولكنها لم تبدأ بممارسة دورها بشكل متوسط إلا في السبعينيات من القرن الماضي،والجدير بالذكرأ ن مساحة تفصل بين البلد القديمة والأحياء الجديدة ،وهي أملاك عامة ،استخدمت لبناءمؤسسات حكومية ومسجد ومدارس...كما قام النظام ببناءمقر لحزبه ولما سمي ب(اتحاد الشبيبة)والذي هو منظمة رديفة للحزب هدفها احتواء الشباب في المراحل الأولى (الإعداية والثانوية)وتلقينهم مبدأ عبادة (القائد الرمز)بشكل من الأشكال...وطبعا لن يفوتني أن أذكر أن هذ(القائد الرمز)كان (حافظ الأسد)الذي أخذيسخر معظم إمكانيات سوريا لخدمة طائفته وأسرته وبعض الدائرين في فلكه من المتزلفين الذين يخفي بهم مشروعه الطائفي ،ولا يسمح لهم بأكثر من فتات يلقى إليهم من موائده وموائد طائفته....كان بإمكاني ذكر بعض هذه الشخصيات الذين يعرفهم الجميع ،ولكنني وحرصا على مشاعر أقربائهم الذين يساهمون مساهمة فعالة في الثورة ،أمتنع عن ذكر الأسماء،وأترك للتاريخ الحكم عليهم بما فغلوه،وما ارتكبوه أو ساعدوا على ارتكابه من جرائم بحق الشعب السوري.
في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي شهدت تلبيسة نقلة هامة في مجال الاقتصاد،حيث اتجه معظم الشباب إلى تعلم قيادة السيارات الشاحنة،وبعدها يشترك بعضهم لشراء سيارة ومع الزمن يصبح لكل منهم سيارته الخاصة به ،وربما أكثر من سيارة ،حتى وصل الحال بتلبيسة أن شوارعها أخذت تفص بالسيارات الشاحنة بشكل شبه دائم مما استدعى إقامة اكثر من مركز(كراج)للسيارات الشاحنة ،وقد شجع على ذلك ماكانت العراق تتطلبه من سيارات شاحنة لنقل بضائعها التي تستوردها عبر مرافيءسوريا،وقد ازدهرت المدينة بما يعود عليها من ازدهار استيراد العراق لبضائعه عبر سوريا ،مما انعكس على العمران والحياة الاجتماعية بشكل عام،ومايرتبط بها من شيء من الرفاهية على الرغم من أن ازدهار أمر سيارات الشحن كان على حساب تراجع الزراعة والتي كانت إلى وقت غير بعيد المصدر الأساس للحياة في تلبيسة...فقد أخذت الأراضي الزراعية تنحسر ويحل فيها البناء ،إلى جانب نشاط بيع الأراضي البعيدة عن المدينة إلى البدو أو الوافدين إلى تلبيسة لدرجة أن القلائل جدا من أهل تلبيسة مايزالون يمتلكون قطعا من الأراضي الزراعية في منطقة(السعن)..هذه المنطقة التي أصبحت الآن تشكل ثلاث قرى على حساب الأراضي الزراعية...(السعن الجنوبي-السعن الأوسط-السعن الشمالي)ويقطنها الآلاف وسميت رسميا قرى تابعة لتلبيسة إداريا.
بعد هذا العرض لابد لي ان أشير إلى أن وجود حزب البعث في تلبيسة،ووجود مركز له وتمدده بحيث أصبح عدة فرق ساهم بشكل سلبي على الحياة الاجتماعية مع مايسمى(اتحاد الشبيبة)فقد أخذ وبشكل مخطط له يقسم المنتسبين إليه إلى كتل متفرقة متناحرة ،وصل الحال بها إلى حقد بعضها على بعض في سبيل الحصول على فتات الفتات من موائد النظام الطائفي البغيض...والذي فرق أحيانا بين الأخ وأخيه،كما شغل مركز الحزب دور المخبر الرسمي على أبناء المدينة،بحيث يقدم التقارير الشهرية والسنوية بالفعاليات السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلى شعبة الحزب أو الفرع في حمص...كما يسبب الحقد بين المتعلمين ،حيث يقوم بتنصيب المحسوبين على قيادته في إدارات المدارس بغض النظر عن الكفاءة والأهلية،مما انعكس سلبيا على العملية التعليمية،ودفعت الكثيرين من الطلاب إلى ترك مدارس تلبيسة والتوجه إلى حمص للدراسة في مدارسها نتيجة عدم الاستقرار الذي سببه تدخل الحزبيين وعناصر الشبيبة في أمور المدرسة،ناهيك عن قيام مدراء المدارس بدور المخبرين على المدرسين والطلاب مرغمين في بعض الأحيان ،إلى جانب تحكم الحزب في تعيين رؤساء البلديات ومدراء المؤسسات على أسس حزبية ..وأحيانا عاى أسس مادية...بحيث يحوز المركز من يدفع أكثر،كما كان يحدث في كل سوريا.....وعلى الرغم من هذه الحالة التي ذكرت بعضها فقط فإنني أسجل للمجتمع التلاوي إيجابية قد لاتكون موجودة في معظم مجتمعات المدن السورية ،وهي أن كل الشعب التلاوي كان ينظر إلى البعثيين نظرة سلبية ويحذر منهم ،وهذا يمكن أن نسميه (الدفاع الاجتماعي السلبي)إلى جانب أن ردة فعل نشأت في المجتمع التلاوي تعبر عن تراكم حضاري وثقافي أصيل وهي تشكيل مؤسسات شعبية خيرية تقوم بدور مساعدة الفقراء والمحتاجين في المدينة...وهذه المؤسسات سنراها لاحقا تتطور إلى إقامة مؤسسات طبية ومستشفى،وكل ذلك من تبرعات المحسنين من أهالي تلبيسة،إلى جانب بناء عشرات المساجد بجهود شعبية ،وتبرعات من الأهالي ،وقد بلغ عدد المساجد التي تقام فيها صلاة الجمعة(قبل قصفها)اكثر من ثلاثين مسجدا ،بنيت كلها من أموال الأهالي ،ولعلني لاأجد متسعا لتعليل رجوع الشباب بشكل ملفت للنظر ،إلى دينهم،بحيث رأيت المساجد والتي كانت منذ سنوات تفتقر إلى المصلين معظم الأوقات...رأيتها تكاد تغص بهم،والذي يلفت النظر أن معظمهم من الشباب،وهذا يقتضي تفسيرا نفسيا واجتماعيا ،وهذا لاأدعي أنني أمتلكه ولكنني أجتهد فأرجعه إلى ممارسة التراكم الحضاري والثقافي في مجتمع تلبيسة عمليا ........يبدو أنني زدتها هذه المرة...أعتذر ...وأترككم برعاية الله إلى الغد إن شاء الله.
الجزء السابع:
استمرت النهضة العمرانية والاجتماعية والتعليمية بشكل مضطرد من بداية السبعينيات إلى مايقرب من منتصف الثمانينيات،حيث تضاعفت أعداد المدارس على مستوى كافة المراحل حتى تجاوز عدد الطلاب الآلاف ،كما شهدت المدينة استمرارا لنهضة اقتصادية بسبب نشاط النقل البري غلى العراق ،وتوافر أعداد كبيرة من الشاحنات في المدينة وقد أهملت الحكومة المدينة بشكل متعمد كمعاقبة لها على عدم تأييدها للنظام بشكل كبير كغيرها من المدن ،إلى جانب هويتها الدينية،حيث إنها كلها من المسلمين (السنّة)،هذه الحقيقة التي أحاول ألا أذكرها ،لكنها تفرض نفسها كواقع لامفر من ذكره،وقد عاش معظم الأهالي في بحبوحة ،ذلك أنه كما ذكرت سابقا أن الكثيرين يعملون في قيادة السيارات الشاحنة وكثيرون منهم يمتلكون سيارات تفيض عليهم بما يؤمن لهم حياة ميسرة ،ويساعدهم على بناءبيوتهم وتأثيثها بشكل لائق....واستمر هذا الحال إلى مابعد منتصف الثمانينيات حيث بدأت الأسعار تتضاعف بشكل مضطرد لدرجة أن الكثير من الفعاليات الاقتصادية المتوسطة والضعيفة توقفت أعمالها لضعف رؤوس الأموال،كما تأثرت المدينة بما انتشر في سوريا من استيراد أساطيل من السيارات الشاحنة من قبل المسؤولين وظلالهم مستندين على مرسوم عملوا على استصداره ليسنأثروا بعمل الشاحنات ويدفعوا من يمتلك شاحنات من قبل إلى بيعها أو إلى الإفلاس..وهذا ماحصل فعلا حيث بدأت أساطيل السيارات الحديثة المستوردة بناء على المرسوم رقم(10)تستأثر بالعمل في النقل على حساب السيارات القديمة،وللعلم فإن أساطيل الشحن الحديثة كلها ملك لرجالات الدولة أو أقربائهم المتنفذين والشبيحة من أقرباء الرئيس او أبناء بلده وطائفته....وقد انعكس هذا على مستوى الحياة في المجتمع التلاوي بشكل كبير ومؤثر،ذلك ان الكثيرين من الأهالي أهملوا الزراعة واتجهوا إلى زراعة الأشجار وبخاصة (الزيتون)والذي لايمكن أن يسد مسد الزراعة القديمة التي كانوا يمارسونها ويجنون منها المواسم الوفيرة....ولابد لنا أن نذكر أن الدولة لجأت إلى أساليب قذرة لإضعاف الزراعة في تلبيسةنلعل من أهمها تسلط مايسمى ب(الجمعية الفلاحية)و(اتحاد الفلاحين)واللذين كانا بؤرتي فساد ولصوصية،زد على ان الحكومة منعت حفر الآبار بحجة الحفاظ على المياه الجوفية علما أن الآبار في أراضي تلبيسة كلها على الإطلاق سطحية،فصار الفلاح الذي سيضطر إلى حفر بئر في أرضه أن يدفع الرشى إلى الشرطة والأمن وغيرها من الجهات المسلطة على رقاب العباد،كما لجؤوا إلى قطع مياه قناة الري التي تروي بعض أراضي تلبيسة بحجة ندرة المياه في البحيرة...وأذكر هنا ان القناة قطعت عاما كاملا لأن المحافظ وأحد أقرباءالرئيس يبنون برجين على أحد جوانبها مما اقتضى الحفر تحتها فقطعوا المياه عاما كاملا عن الأهالي وبالتالي حرموهم من زراعة أراضيهم موسمين كاملين حتى يتم بناء برجي المحافظ والمخلوف ...ونذكر في هذا المكان أيضا أن الأمن افتتح له مركزا لما يسمى(أمن الدولة)في موقع البريد بحيث يتسنى له التجسس والتنصت على مكالمات المواطنين لاصطيادهم وتجنيدهم كمخبرين للأمن على أبناءبلدهم......وقد تراجعت الزراعة في أهم موسمين كانت المدينة مصدرا هاما لهما وهما (القطن والشمندر السكري)لدرجة أن زراعتهما انعدمت تماما لأنها لم تعد تجر على الفلاح أي مردود لما يتعرض له موسمه من سرقات ونتيجة غلاء الكلفة وندرة المياه...ومنع حفر الآبار وغلاء أسعار المحروقات...ولعلني أذكر هنا مارواه لي أحد الفلاحين الذي يضرب المثل بعمله وحبه للأرض والزراعة وهو من قرية(الغنطو)...قال لي كنت أزرع الشمندر واعتني به ...فكل دونم يعطيني أكثر من (10)أطنان ..ولكنني كنت أضطر عند جني المحصول أن أدفع رشوة لجهة تؤمن لي بطاقات توريد ه إلى مصنع السكر في حمص إلى جانب الغش في الوزن....في مرة ملأت سيارة (قاطرة ومقطورة)وذهبت بها إلى (سوق الهال)حيث وزنتها فكان الوزن(53)طناوحين أخذتها إلى مصنع السكر كان الوزن قد نقص (10)طن...فراجعتهم وأعطيتهم بطاقة الوزن فكان أن (تبهدلت)وفي اليوم الثاني أصدر السيد محافظ حمص أمرا إلى (قبان سوق الهال)يمنعة من وزن الشمندر،فحلفت ألا أزرعه مرة أخرى...هذا إلى جانب غلاء الأسمدة ومستلزمات مقاومة الآفات الزراعية,,,تأخر وصول ثمن الموسم أشهرا حتى يقبض الفلاح ثمنه ...ولو أجرى الفلاح عملية حسابية لما يقبضه وما دفعه سيجد نفسه عاملا بنصف أجر تحت ظل دولة البعث.....هذه الأشياء وغيرها جعلت الأهالي ينصرفون عن الزراعة ويهملون الأراضي أو يزرعونها بالزيتون مما أدى إلى انحسار المساحات المزروعة وبالتالي تصحر مساحات واسعة من الأراضي التي لايمكن أن يتوفر في معظم أنحاء العالم أكثر خصبا منها...زد على ان معظم المساحات التي تقع على جانبي الطريق الدولية اشتراها المتمولون الجدد ليقيموا عليها شركاتهم وبالتالي يخسرها الفلاح ويخسر البلد مردودها ،ويضطر الناس إلى قبول مايستورده الأغنياء الجدد .....كان لابد لي من ذكر هذه المعطيات لأوضح ردة فعل الأهالي وكيف تصرفوا حيال هذه المصائب التي خطط لها البعث ليضع البلد كلها في مهب الريح ويهيئها للقبول بما يمليه عليها من مخططات قذرة......لعلي لاأكون مبالغا إذا قلت أن هذه المصائب مجتمعة كانت وقودا لما يسمى بالمخاض الثوري الكامن في النفوس،والذي سيترجم ثورة عارمة يشترك فيها كل أهالي البلد....والتي هي جزء من ثورة الكرامة السورية......سأقف هنا لما ذكرت من قبل وأتابع غذا إن شاء الله.
ا
avatar
أبو البراء

المساهمات : 260
تاريخ التسجيل : 14/02/2010
العمر : 66

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى