ضبط البنية اللفظية في لغة النبي(ص)الخطابي نموذجا.الدكتور نبيل قصاب باشي(2)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

ضبط البنية اللفظية في لغة النبي(ص)الخطابي نموذجا.الدكتور نبيل قصاب باشي(2)

مُساهمة  عبد الرحمن في الإثنين فبراير 22, 2010 9:11 pm

ثانياً – التثليثُ باللفظِ :
ومما يدخل في ضبط بنية الكلمة تعريج الخطابي على ضبط مثلثها . وقد أورد في معرض تفسيره اللغوي لغريب الحديث نماذج منها على ضربين اثنين :
الأول : ما اتحد معناه رغم تثليثه .
الثاني : ما اختلف معناه رغم تثليثه .
- الأول : المثلثُ المتحدُ المَعْنى :
عني اللغويون بهذه البنية عناية فائقة ، لمسنا نماذج منها في كتب اللغة بعامة حتى أفرد لها قطرب كتاباً سماه [ المثلثات ] ، ثم انتهى هذا اللون اللغوي من الدراسات إلى ابن مالك الذي صنفه في كتاب [ إكمال الإعلام في تثليث الكلام ([1])] ، وجعله في أربعة فصول : ما ثُلّثت فاؤه نحو السَِّـُقط ( بضم السين وفتحها وكسرها ) وهو المولود قبل تمام الأشهر التسعة . أو ما ثلثت عينه من الأسماء نحو المهَلُِكة ( بضم اللام وفتحها وكسرها ) . أو ما ثلثت عينه من الأفعال ، نحو أجَِـُن الماء ( بضم الجيم وفتحها وكسرها ) ، وهو ما تغير طعمه من الماء . أو ما ثلثت فاؤه ولامه ، نحو : أَصْبَع وأَصْبِع وأُصْبُع وأُصْبَع وإِصْبِع ([2]) .
ويرى معظم اللغويين أنّ اختلاف بنية المثلث المتفق المعنى إنما هو من اختلاف لهجات القبائل العربية ، وقد أشارت بعض معاجم اللغة إلى نسبة هذه اللغات المختلفة إلى قبائلها ، ومن هؤلاء : ابن منظور الذي يقول في ( المهلََُِكة ) : كل ذلك عند أبي بكر لغات مختلطة ([3]) . وقال أبو عثمان السرقسطي في [ أَجَن الماء وأجِن – بكسر الجيم – لغة ([4]) ] .
ويشير الخطابي في مواضع كثيرة من كتابه الغريب ، إلى أن اختلاف بنية المثلث المتفق المعنى أو المتحد المعنى؛ إنما هو من اختلاف لغات القبائل . ومن المثلث المتفق المعنى مما ثلثت فاؤه ما أورده الخطابي في حديث النبي r يوم قال لزوج عامر بن ربيعة حيث أصابت ولدها عبد الله رمية يوم الطائف ، وكان قد (( دخل عليها وهي نسوء : أبشري بعبد الله خلفاً من عبد الله ، فولدت غلاماً فسمته عبد الله فهو عبد الله بن عامر ([5]) )) . يقول الخطابي : ((وقوله : وهي نسوء : أي مظنون بها الحمْل . قال الأصمعي : يُقال للمرأة أول ما تحمل ، قد نُسئت ، فهي نَسْءٌ . قال غيره : امرأةٌ نسءٌ ، ونساء نساءٌ جمع نسءٌ ، وإنما قيل لها نسءٌ لأن حيضها تأخّر عن وقته ، من نسأ فلان الشيء إذا أخَّره ، ومنه النسيئة في البيع ... ([6]) )) .
وقول الخطابي : وفيها ثلاث لغات ، إشارة إلى اختلاف القبائل في ضبط بنية المثلث المتحد المعنى . ويعلّق الخطابي على الاستعمال اللغوي للفظ بريء و بَراء في حديث أبي هريرة حيث أجاب عمر بن الخطاب : (( إنَّ يوسف مني بريء ، وأنا منه بَرَاء ([7]))) . قال الخطابي : (( قوله إنّ يوسف مني بريء ، وأنا منه براء ، لم يرد به براءة الولاية ... ([8]) )) .
ثم يورد ما جاء في لغة العرب من تثليث فاء هذا اللفظ والمعنى واحد . يقول الخطابي : ((ويقال : إنه منه بريء وبَرَاء ، ويقال أيضاً : قوم بَراء ، وقد قرئ : ( إنا بَرَاء منكم ([9]) ) . قال أبو زيد : (( يقال : نحن منكم بَرَاء و بُرَاء و بِراء ([10]))) .
ومما ثلثت عينه من الأفعال يورد الخطابي ما جاء في لغة العرب من تثليث عين الفعل في معرض تفسيره كلمة [ الاعتقام ] ، يقول الخطابي Sad( وأخبر أبو عمر ، عن أبي العباس ، عن ابن الأعرابي قال : والاعتقام أن يحفر الرجل البئر ، فإذا بلغ موضعاً لا يعمل فيه المِعْوَل عدل إلى جانب آخر ، فيقال له : ما شأنك ؟ فيقول : اعتقَمْتُ . قال : ومنه العُقْم ، وهو امتناع الرحم من الولد . يقال : عُقِمت و عَقُمت و عَقَمت ([11]) ( بكسر العين وضمها وفتحها ).
وقال الخطابي في حديث رسول الله r عند دخول الخَلاَ : (( اللهم إني أعوذ بك من الخُبُث والخبائث )) أصحاب الحديث يروونه الخُبْث ساكنة الباء ، وكذلك رواه أبو عبيد في كتابه وفسره فقال : أما الخُبْث فإنه يعني الشر ، وأما الخبائث فإنها الشياطين .
قال أبو سليمان : وإنما هو الخُبُثِ مضمومة الباء جمع خبيث ... فأما الخُبْث : ساكنة الباء فهو مصدر خبُث الشيء يخبُث خُبْثاًً ، وقد يُجعل اسماً ... فأما الخَبَثُ ، مفتوحة الخاء والباء ، فهو ما تنفيه النار من رديء الفضة والحديد ونحوهما([12]))) .
- الثاني : المثلثُ المختلفُ المَعْنى :
وهذا المثلث من البنية لا يكون إلا في فاء الكلمة ، وتتغير دلالة معناه بتغيّر حركة الفاء، وقد بسط فيه ابن مالك البحث كما بسطه في المثلث المتحد المعنى في كتابه ( إكمال الإعلام في تثليث الكلام ([13]) ) نحو : القُسْط – بالضم – عود يتبخر به ، والقَسْط – بالفتح – الجَوْر، والقِسْـط – بالكسر – العـدل . ولابن مالك كتاب آخر في هـذا الباب على غـرار (مثلثات) قُطْرُب ، حيث تختلف المعاني باختلاف صيغها .
ومما يحسن ذكره أن هذا النوع من البنية ، يمكن أن ينسب إلى قبيلة واحدة ، مادام شكل البنية مختلفاً ، من حيث الحركات التي آلت إلى اختلاف المعاني . ونجد ذلك واضحاً في مختلف معاجم اللغة ، على اختلاف ما وجدناه في المثلثات المتحدة المعنى التي نسبها اللغويون إلى اختلاف لهجات القبائل ([14]). وإلى مثل هذا ذهب الخطابي في تفسير معنى القضض حيث قال : (( والقضض القَضَّة : ما تفتّت من الحصا ، وأنشدنا أبو عمر عن أبي العباس ثعلب يصف دلواً :
قد سقطت في قَضَّةٍ من شرْجِ ([15]) ثم استقلّت مثلَ شِدْق العِْلج ([16])
قال وأخبرنا ثعلب عن الكوفيين ، والمبرد عن البصريين قالوا : القِضَّة بالكسر : عُذرة الجارية ، والقُضَّة بالضم : العيب ، والقَضَّة بالفتح : الحصا الصغار ([17]) )) .
والخطابي في هذا الأثر اللغوي لا يشير إلى المصدر القبلي لاختلاف فاء الكلمة ، كما فعل في المثلثات المؤتلفة المعنى حيث كان يذكر في الكلمة : ( وفيها لغات ثلاث ) ، وإنما يشير إلى ما أجمع عليه الكوفيون والبصريون في ضبط بنية القضَّة ، من حيث اختلاف حركة فائها ، الذي آل إلى اختلاف معانيها .
وفي أثرٍ لغوي آخر يقول الخطابي في تفسير لفظ ( الهيام ) في حديث ابن عباس في قوله تعالى : (( [ فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ ([18]) ] قال : هَيامُ الأرض . أخبرناه ابن الأعرابي ، نا الزعفراني ، نا سفيان ، عن عمرو بن دينار ، عن ابن عباس : الهَيَامُ : تراب يخالطه رمل ينشف الماء نشفاً شديداً ، فأمـا الهُيام فهو شدة العطش ([19]) )) . ثم يقـول الخطابي : (( قـال يعقوب : الهِيام والهُيام : داء يأخذ الإبل عن بعض المياه بتهامة ، فيصيبها مثل الحمى ([20]))) .
فاختلاف الضبط في فاء [ الهيام ] بين فتحها وضمها وكسرها ، آل كما رأينا إلى اختلاف المعنى . وهذا النوع من التثليث كما ذكرنا لم يشر فيه الخطابي إلى اختلاف لغات القبائل فيه .










([1]) أشار الدكتور غنيم غانم إلى أن الكتاب مخطوط في دار الكتب المصرية تحت رقم 738/ لغة .


([2]) د . غنيم غانم : الدراسات اللغوية عند ابن مالك 282 بتصرف .


([3]) لسان العرب ( هلك ) .


([4]) أبو عثمان سعيد المعافري السرقسطي ( كتاب الأفعال ) 1/104 تح : د . حسين محمد محمد شرف . ط مؤسسة دار الشعب للصحافة والطباعة والنشر . القاهرة 2002م .


([5]) الخطابي : غريب الحديث 1/408 . أخرجه ابن معين في تاريخه 1/21 برقم 122 وذكره الحافظ في الإصابة 2/329 .


([6]) المصدر السابق 1/408 – 409 .

([7]) الخطابي : غريب الحديث 2/432 .


([8]) المصدر السابق 2/432 .

([9]) سورة الممتحنة : الآية 4.


([10]) الخطابي : غريب الحديث 2/433 .


([11]) المصدر السابق 3/77 .


([12]) المصدر السابق 3/221 . والحديث أخرجه البخاري 1/47 في الوضوء ، ومسلم 1/283 في الحيض وأخرجه أبوداود 1/2 في الطهارة ، والترمذي 1/ 10 في الطهارة أيضاً .


([13]) د . غنيم غانم : الدراسات اللغوية عند ابن مالك 292 ، بتصرف .


([14]) د . غنيم غانم : الدراسات اللغوية عند ابن مالك 293 ، بتصرف .


([15]) الشرج : مجرى الماء .


([16]) العلج : الحمار . والبيتان في اللسان ( قضض ) د . ن .


([17]) الخطابي : غريب الحديث 1/106 .


([18]) سورة الواقعة : الآية 55 .


([19]) الخطابي : غريب الحديث 2/466 .


([20]) المصدر السابق 2/466 .

عبد الرحمن

عدد المساهمات: 202
تاريخ التسجيل: 23/01/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة

- مواضيع مماثلة

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى