مقدمة ديوان غادة الونشريس للشاعر:عبد الرحمن الضيخ...تقديم الأستاذ:عبد الكريم حبيب

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

مقدمة ديوان غادة الونشريس للشاعر:عبد الرحمن الضيخ...تقديم الأستاذ:عبد الكريم حبيب

مُساهمة  عبد الرحمن في الإثنين فبراير 22, 2010 9:03 pm

ربما يصعب على الناقد أو الأديب أن يقدم لديوان شعر,لأن الشعر هو الذي يقدم ذاته إلى المتلقين , والشعر سيد الكلام لأنه لغة الأحاسيس وفيض المشاعر , والشاعر هو الذي يتحكم بزمام اللغة والمجتمع , وطالما أقيمت الحفلات وأوقدت الولائم ابتهاجاً بولادة شاعر عند القبائل العربية , ويكفي الشاعر أنه سفير الكلمة من جمودها إلى حيويتها , ومن معجميتها إلى اصطلاحها إنه يخرجها من قوقعتها إلى عالم الحياة فيلقيها في القلب لتأخذ معانيها التي تتعدد بتعدد المتلقين . هكذا الشاعر دائماً , فكيف إ ذا كان شاعراً يكتب بأحاسيسه ومشاعره, يكتب لكي يغازل الأنهار التي تترقرق صفاءً, ويغرق النحل كي تقلده باختيار الزهر , ويباري العنادل لكي تحيى الصباح وتنشد للشمس وهي تمد أول خيوطها في هذا الوجود إنه الشاعر الأستاذ عبد الرحمن الضيخ الذي يستفيق على أيقونة التاريخ يحمل قلمه الرائع ويجسد روعة الفن , وفنية الروعة من خلال ما يقدمه للمتلقي من شعور فياض نبيل :
ياغادتي هل جفَّ نبعُ حناني
وذوتْ عرائسُ أبحري وبياني
هل شمت في نبعي طلائع عجزه
أم أغرقتك عواصف الأحزان
أكذا النساءُ إذا رأين تنكراً
للدهر طلَّقنَ الهوى بثــوان
هي حقيقة التقلب الغرامي بانتفاء العشق الأنثوي في تقرير ماهو حاصل في ود النساء يحاول أن يجمعه ويعيد صياغته فنيا فإن تقلب النساء يكون لشيب أو لقلة المال كما قال الشاعر:
إذا شاب رأس المرء أو قلَّ مالُه
فليس له من ودِّهنّ نصيبُ
واختصر مساحة اللغة "بتنكر الدهر " وهل يكون هذا التنكر الدهري إلا بصباغة الرأس وانتقاص المال ,وما أجمل أن تختصر اللغة في تفجر معنوي يمس شغاف القلب ويعيد وضع الحقائق في نصابها . وهو الذي يلجأ إلى الجمال الأنثوي الذي يبلور مشاعر الرجل والأنثى هي أقنوم الخصب والحياة والرقة , يفر إليها من العناء والتعب وأعباء الدهر , أما أن يفر إليها شاعرنا الضيخ من طينه فهو التفرد الدلالي للفظة الشعرية الشاعرة بوجود الآخر يقول :
أنقذيني فقد غرقت بطيني
واحمليني على جناح مكين
وارفعيني إلى النجوم بسحرٍ
وأقيلي حشاشتي من جنوني
إنه يريد أن تنقذه من طينه الطامي على مشاعره , والجمال هو الذي يجعل المرء متجرداً عن ذاته لكي ينضم إليه ويحتمي بهيكله فراراً من الطين الكدر الذي تثقل كثافته على الروح , والأنثى خير ملاذ , إنها عودة إلى الأم والحبيبة والزوجة , إلى الروض الأنثوي الطافح بالجمال و بالحب .
وربما يشعر تارة أنه حيران معنى في فراره إلى الأنثى فيقول :

غار في جوف التنائي عـلَّه يجني الأماني
عاد حيرانَ معنــى يمتطي متن الهوان
إن الجمال على موثق هيفل هو التجلي الحسي للفكرة وهنا يتجلى الجمال المعنوي فيما يريده الشاعر من تعبير في المزاوجة ما بين الحسي و المعنوي فهو يغور في جوف التنائي , مقاربة حسية بمعنوية ليجني أمانيه التي يطمح إليها معنوياً , فيعود بخفي حنين حيران معنى بعشقه الذي هو موضوع وجوده في تجسيد الهوان مطية لنفسه وانكسارها وخذلانها العاطفي , هكذا يحرر شاعرنا اللفظة من موضوعها الاصطلاحي ليبث فيها شاعرية اللحظة الراهنة التي تدل على وجوده الطبيعي في إضافات فنية لقاموسه الشعري الجميل.
والشاعر في وجوده الجمالي يملك إحساس العالم لأنه يصهره في بوتقة ذاته ويستجمع تجاربه فيه , ولذا فإن إحساس الشاعر ينفر من كل قبيح يمكن أن يحدث في هذا الوجود لأنه هو الذي يجسد الجمال والحب وهذا ما تراه في قصيدة " أقصر " إنه في هذه القصيدة لا يفر من طينه فقط بل يفر من وجوده الذي يلوثه الزمن والآخرون فتغدو هذه الدنيا مثار الاشمئزاز لديه ويلحظ معنى القصيدة كاملة مطلعها :
أتعسْ بدنيا ومن في وصلها رغبا
كانوا ملوكاً فصاروا تحتها تربا
إنها نشوة الحكيم ونظرته في التخلي عن الدنيا ولذاتها لأنها فانية وذلك من خلال الاحتكام إلى الإحساس والمشاعر وهو ما يؤكد سمو الشاعر الضيخ في تحقيق قدسية الجمال ولذا نراه في ديوانه ينفر من الجمال الرخيص الذي يبيعه صاحبه بنقود بخسة وهذا ما تجسد في مقطوعته "مغنيتا الكورال بيتش" حيث ضاع الجمال والنشيد ببخس النقود فيقول :
ضاع عطر النشيد في كبد الليل وأقوى وصار في الرمل لحدا
ببريق النقـود بعتن نوراً مـن خدود تلوح للعين وردا وهو يجسد الجمال دائماً نافرا من كل قبح ولذلك إذا رجاه صديقه أبو ملهم أن يقول فيه هجاءً وربما كان في الهجاء جمال فإنه لايريد ذاك الهجاء ولا ما يكمن فيه من جمال القبح و الأستاذ أبو ملهم معروف بدماثة أخلاقه وفساحة صدره وربما يريد أن يستدر قريحة الشاعر بطلبه ذاك فيفر الشاعر إلى الجمال لأنه لايخون مبادئه وفنه فيقول :
رجاني أن أصوغ به هجاء بلا وزر فقلت إليك عنـي
فما كذب الفؤاد بقول شعر وما من شيمتي سوء التجني
فإن أهج الحبيب إذاً فإني أخون مبادئي وأغيل فنـي
فالشاعر يحمل هوية نفسه التي يدخل بها إلى مقصورات الفن الإنساني وهي إنسانيته الطبيعية التي لا يمكن أن يشوبها كدر الدنيا إنه يريد أن يبث الحياة في هذا الوجود وهل الحياة إلا تجسيد الجمال بكل معانيه وهذا ينساق على كل قصائده إنه مسكون بالهم الإنساني والفرح والجمال وينفر من كل ما هو رديء إنسانيا وسياسة إنه يتمكسك بقوميته كما يتمسك بإنسانيته لأنه يشعر بوجوده من خلال وطنيته وقوميته وهذا ما يتجلى في قصائده القومية التي ترد في هذا الديوان متمثلا هويته الثقافية متحررا من كل قيد لأن الطير يختار الاطلاق والانطلاق عن كون ذاته لكي يحوم في آفاق الأبدية وهذا ما يجعلنا نسجل بعض ميزات هذه الشاعرية في مثل هذه العجالة :
1- الصدق والعفوية وهما المقاربة الحقيقة لقانون الجمال الفني الذي يستمد سماته من الطبيعة التي هي عفوية في ذاتها والعفوية هي أولى سمات الفن الصادق .
2- المزاوجة بين المحسوس والمعقول في تمثل الفكرة في حسن الصياغة ورحابة المعنى .
3- تمثل الجمال المعنوي في كل موضوع يعالجه الشاعر .
4- الانسياق الفني التعبيري في القصائد العمودية وقصيدة التفعيلة من دون أن يلهث وراء التركيب أو القافية .
5- سيطرة نبرة من الحزن في قصائده كافة وهذا الحزن قادم إليه من توهج نفسه بالحب والخير ونفوره من كل ما هو قبيح ولذلك نجد سيادة قافية النون في أغلب قصائده العمودية بما تحمل النون من نَفَسٍ حزينٍ .
6- الترابط المعنوي في الصوغ الشعري الذي يدل على الاقتصاد اللغوي في التعبير .
7- الواقعية في الاستجابة الفنية لما يريد التعبير عنه
وربما كانت هناك سمات وميزات أبعد أثراً في ذات المتلقي الذي يبحث عن المعنى الأخلاقي وشفافية الكلمة التي يقتنص معناها من تلقاء ذاته .
فللصديق الشاعر عبد الرحمن الضيخ مفآجاته الفنية التي تبهج المتلقي وتثير فيه طموحاته إلى تمثل الفن الأسمى في رؤاه ومعانيه وهذا ما يحدو بي إلى أن أضع على مشاعري لهيب صبر الانتظار على صدور ديوان قادم يغني التجربة الفنية للشاعر .
والحمد لله الذي تتم به الصالحات

كلية الآداب الإنسانية بحمص
avatar
عبد الرحمن

المساهمات : 204
تاريخ التسجيل : 23/01/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى