]دراسة نقدية لقصيدة (تنبهي أمنا العرباء)للشاعر عبد الرحمن سليم الضيخ ...أعدها البراء عبد الرحمن الضيخ

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

]دراسة نقدية لقصيدة (تنبهي أمنا العرباء)للشاعر عبد الرحمن سليم الضيخ ...أعدها البراء عبد الرحمن الضيخ

مُساهمة  أبو البراء في الإثنين فبراير 21, 2011 11:30 pm

تنبهي أمنا العرباء شعر:عبد الرحمن سليم الضيخ

يامـصـر قــد صــار مــن أنـصـارك لأبـــد وأدبــــــــــرت عـــصـــبــــة الـــــظّـــــلاّم تــبـــتـــعـــد
وهـــــــــاج نـــيـــلـــك يـــــــــذرو كـــــــــل خـــائـــنـــة فـــزلـــزلــــت مـــنـــهــــم الأركـــــــــــان والـــعــــمــــد
كــــم يـتــمــوا مـــــن جــمـــوع ســـــاح دمـعــهــمُ فــي مـهـجـة الـصـخـر هـيــلا لـيــس يـبـتـرد
لــــــم يـــبـــق يــاأمــنــا مــــــن جـمـعــهــم أحــــــد إلا وفـــــــــــي يـــــــــــده الـــكــــربــــاج والــــــــــــزرد
لــم يـبــق مـــن جمـعـهـم لـــص بـــلا نـشــب حـــاز المـلايـيـن مـــن سـحــت بــــه مــــردوا
تـقــاســمــونــا كــــــــــإرث عــــــــــن جـــــدودهـــــمُ أو أنــنــا بــعـــض مــاحـــازوا ومـــــن ولـــــدوا
خـانـوا الإلــه وخـانـوا الـشـعـب بـــل أخـــذوا يــخـــون بـعـضـهــمُ بـعــضــا كـــمـــا عُـــهـــدوا
يـــحـــشــــون تــربــتـــنـــا جـــــدبـــــا ومــســـغـــبـــة والـخـلــق لــيــس لــهـــم مـــــن شــرهـــم ســنـــد
فـــــــــإن تــــحـــــرّك إبــــهـــــام بـــفـــعـــل ونــــــــــى قـــالــــو تــــطــــرّف وانــهـــالـــت عــلـــيـــه يــــــــد
وقــــلّـــــبـــــوه عـــــــلـــــــى نـــــــيـــــــران مـــهــــلــــكــــة وغــيّـــبـــوه فــــكـــــم غــــالـــــوا وكـــــــــم لــــحـــــدوا
عـــلــــى مـــذابــــح أوهـــــــام قـــضــــى بــــشــــر بــغــيــر ذنــــــب عـــلـــى أوجــاعــهــم رقـــــــدوا
نــــنـــــام فـــــــــوق كــــنـــــوز لانـــظـــيـــر لـــــهـــــا والـــجـــوع مـسـكــنــه مـــــــن جــوفــنـــا الــكــبـــد
يـــكـــاد يـصـرعــنــا مــــــن ظـــلــــم مـسـلـكــهم وســــــوء أفـعـالــهــم فـــــــي أرضـــنــــا الــكــمـــد
إذا انـتــهــى دور لــــــص مــــــن مـسـيـرتـهــم يــنـــأى بــمـــا سـلــبــت فـــــي عـــهـــده الــبــلــد
ويشـتـم الصـحـب يبـكـي الشـعـب منتـحـبـا مــثـــل الـتـمـاسـيــح تــبــكــي وهــــــي تــــــزدرد
يــطــل مــــن قــصـــره الـمـبـنــي مـــــن دمــنـــا فـــــي قــمـــة الـــطـــود يــضــغــو ثــــــم يــنــفــرد
ويــطــلــق الـصـيــحــة الـعــصــمــاء مـتــهــمــا مـــن شـاركــوه ومـــا صـاحــوا ومـــا انـتـقـدوا
كــــم زجّ فــــي كــبــد الـظـلـمـاء مــــن بــشـــر وأبـــريــــاء عـــــــن الأوطـــــــان قـــــــد بــــعــــدوا
كـــــم مـــــن يـتــيــم بــجـــوف الــلــيــل مـنـتــبــه يــــدعـــــو عـــلـــيـــه دعــــــــــاء مـــــالـــــه فـــــنـــــد
حـتــى رمـــال الـصـحـارى ضــــجّ خـافـقـهـا مــــن هــــول مـادفــنــوا فـيــهــا ومـــــا وســـــدوا
فــــــمــــــن قــــــبــــــور لآلاف بــــــهــــــا دفــــــنــــــوا حـــيـــا ومــيــتــا ولــــــم يــحــفـــل بـــهــــم أحـــــــد
ومــــــن ســـمـــوم بـــجـــوف الـــرمــــل فــاتــكـــة حــصـــادهـــا كــــــــل حــــــــي حــولـــهـــا يــــفــــد
أكــلــمــا غــــــاب عــــــن ســــــاح لـــنـــا قــــــذر جــــــاءت مـــئـــات عـــلـــى أعــقــابــه جـــــــدد
فــــــأيــــــن يــــابــــلـــــد الأشــــــبـــــــاح مـــوئـــلـــنــــا وهـــــل يـــجـــيء بـــمـــوت الـحـاقــديــن غــــــد
فـلـتـعـمـل الـســيــف فـيــهــم يـــابـــن جـلـدتــنــا ولـــيـــمـــض فـــيـــهـــم قـــــضـــــاء الله يـــابـــلــــد
يـاشـعــب مــصــر ألا فــاحــذر فــهــم كــثــر في مصنع الغرب قد صيغوا وقد نضدوا
ولـتـنـتــبــه ســـــــوف يــــأتــــي مــنـــهـــمُ قــــــــذر من ذيل صهيون في أثواب مـن صمـدوا
فـيـجـهـض الـحـمــل أعــوامــا كــمـــا أثــمـــت يــــــــــد الـــبـــغــــاة ســنــيـــنـــا مـــالـــهــــا عــــــــــدد
فـــأنـــت يــامــصـــر أم الـــعــــرْب تـجـمـعــهــم على الهدى ..فاحذري إن تبعـدي وئـدوا

الشارقة :5/2/2011
لقد دعا الدكتور محمد مندور في كتاباته المتأخرة إلى ما سماه ((المنهج الإيديولوجي)) في النقد,وهذا المنهج يجعل من وجود الفنان في المجتمع وجوداً هادفاً ,ويفضلُ مندور التجربة الحية المعاشة على التجربة التاريخية البالية,لأن الأدب والفن قد أصبحا للحياة ولتطويرها الدائم , وليسا صدىً لها {1*}.
وإن الرؤى عادة تنجم عن اتصال النفس بالعقل الفعال,لاعن آثار الحس الموجودة في الحس المشترك,أو المعاني المودعة في الذاكرة,أو بقايا الفكر في اليقظة,ويكون ذلك لها نوعا من التنبؤ,أو الإنذار بما سيكون,وهذه الوظيفة تجعل صاحبها يدنو من مرتبة النبوة في ما ذهب إليه الفارابي .
فالرؤيا قفزة خارج المفهومات السائدة,وهي تغيير في نظام الأشياء,وفي نظام النظر إليها,والرؤيا الشعرية غير الحلم والتخيل,فهي تتسم دونهما بالشمول,والعمق,والاتساق,واختيار دقيق للجزئيات ذات المدلول العام {2*}.
ومن هنا أقول لقد جاءت معظم القصائد في هذا الوقت_التي وصفت الثورة المصرية_ انفعالية معبرة عن عظمة الأمر الذي تم بإرادة الشعب المصري والتونسي من قبله , وبعضها أُفرغَ إلى حدٍّ ما من محتواه الشعري , فجاء سردا وتقريراً بلغة يكاد يصعب على القارئ أن يصفها بالشعرية , ومع ذلك استطاع الشاعر هنا أن يبدع قصيدة هي من أجمل ما قرأتُ عن الثورة المصرية , وسأبين ذلك من خلال أمرين هما:
1ً_الرؤيا المستقبلية في القصيدة 2ًً_ صناعة اللغة الشعرية والبلاغية .
أولاً: الرؤيا المستقبلية في القصيدة:
وهي العنصر الأهم زمنياً ومكانياً , وفي الرؤيا المستقبلية يتجلى الإبداع وتظهر عظمة الشعر والشاعر على حدٍّ سواء , وأبدأ هذه الزاوية بقصة حضرتها منذ حوالي ثماني سنوات وهي وبعد أن أنهى الشاعر عبدالرحمن الضيخ إلقاء قصيدة أمام بعض الأساتذة (والقصيدة عن الطفل الفلسطيني محمد الدرة) ختم القصيدة بقوله: محمد...أصبحت رمزا ككل الرموز القديمة/غداً سوف تغدو على صفحة الطرس/رقما جديدا/و ننساك /مثل الملايين بعدك/فإنا نسينا الحقيقة /كل الحقيقة قبلك/{3*} فبادره أحدهم بقوله لقد أخطأت , فكان يجب أن تقول: مثل الملايين قبلك , فأجابه: سترى ياسيدي أن مذبحة الأطفال مازالت في بدايتها , وسيشهد العالم سقوط الكثير من الأطفال في عالمنا العربي في الأيام والسنوات القادمة , وماجنوب لبنان وغزة منا ببعيد وغيرهم وغيرهم كثير ...
وهنا في هذه القصيدة , ورغم عظمة الثورة في مصر , ورغم أهمية هذا الحدث التاريخي الذي زلزل العالم , وتملكنا جميعا بالفرح العارم , والدموع الغزيرة,وكاد ينسينا مرارة عشرات من السنين الماضية ,إلا أن الشاعر الضيخ لم ينس هنا الحقيقة , ولم يتغيب حرصه على الثورة , ولم تتلاشَ بصيرته في ضرورة المحافظة عليها, بل بقي محافظا على توازنه , مدركا أن الوصول إلى القمة ليس هو الهدف , وإنما التربع عليها والثبات هو المقصد الذي ثارت الجماهير المصرية من أجله , ففي بداية القصيدة يقول:
يامـصـر قــد صــار مــن أنـصـارك الأبـــد وأدبــــــــــرت عـــصـــبــــة الـــــظّـــــلاّم تــبـــتـــعـــد
وهـــــــــاج نـــيـــلـــك يـــــــــذرو كـــــــــل خـــائـــنـــة فـــزُلـــزلــــتْ مـــنـــهــــم الأركـــــــــــان والـــعــــمــــد
والشاعر هنا لم يخفِ فرحته في الشطر الأول بانتصار الشعب وابتعاد الظلام , ولكنه ظلَّ محترسا متنبها لأمر خطير قد يحدث مستقبلا , فهو لم يقل إنَّ الظُّلام قد انتهى أمرهم وأنهم استسلموا وغادروا إلى غير رجعة , بل هم أدبروا وتخلوا عن المواجهة في الوقت الحالي , وربما سيعودون مستقبلا بعد أن يجمعوا قواهم من جديد , وأتبع كلمة (أدبرت)بالفعل (تبتعد) ولم يقل تنهزم أو تندحر أو تحتضر أو غيرها من الكلمات التي تدل على أن الظلام قد انتهوا , بل قال أنهم يبتعدون فقط , وربما مازالوا يفكرون في العودة مرة أخرى , وبالتأكيد هم كذلك , وأما قوله النيل هاج يذرو كل خائنة , ففيه احتراس أيضا ففي اللغة يقال: ذرَّ الشيء بدده وفرقه ونثره {4*}, فالظُّلام قد تفرقوا وتبددوا وانتشروا في الأصقاع المختلفة , وقد زلزلت أركانهم وأعمدتهم , ولكن الزلزال لم يكن كافيا للقضاء على وجودهم نهائيا , وإن خطرهم مايزال قائما .
وبعد أن ينهي الشاعر حديثه عن ممارساتهم وأفعالهم_وقد أبدع في ذلك_ يعود في نهاية القصيدة إلى بدايتها حيث يقول:
أكــلــمــا غــــــاب عــــــن ســــــاح لـــنـــا قــــــذر جــــــاءت مـــئـــات عـــلـــى أعــقــابــه جـــــــدد
فــــــأيــــــن يــــابــــلـــــد الأشــــــبـــــــاح مـــوئـــلـــنــــا وهـــــل يـــجـــيء بـــمـــوت الـحـاقــديــن غــــــد
فـلـتـعـمـل الـســيــف فـيــهــم يـــابـــن جـلـدتــنــا ولـــيـــمـــض فـــيـــهـــم قـــــضـــــاء الله يـــابـــلــــد
يـاشـعــب مــصــر ألا فــاحــذر فــهــم كــثــر في مصنع الغرب قد صيغوا وقد نضدوا
ولـتـنـتــبــه ســـــــوف يــــأتــــي مــنـــهـــمُ قــــــــذر من ذيل صهيونَ في أثواب مـن صمـدوا
فـــأنـــت يــامــصـــر أم الـــعــــرْب تـجـمـعــهــم على الهدى ..فاحذري إن تبعـدي وئـدوا
فالبلد كلما غاب عنها قذر جاءت مئات غيره , وهل سيأتي الغد بموت هؤلاء الظلام , فالشاعر لم يهدأ بعد , ولم يطمئن لهذا الوضع , بل يريد إعمال السيف والقضاء العدل فيهم ومحاكمتهم محاكمة عادلة للاقتصاص منهم ومعاقبتهم على جرائمهم حتى يكونوا عبرة لمن يحاول بعدهم أن يفعل مافعلوه من ظلم وإجرام بحق الشعب والوطن , وأخيراً يلجأ إلى التحذير ثم الانتباه , فالغرب المتآمر , والصهاينة الحاقدون الذين هم أصل كل بلاء , لن يسكتوا على مافعله الشعب العظيم بأوليائهم من الظلام الحاقدين , وسيحاولون إجهاض الثورة والالتفاف على الشعب , ثم يكرر ويؤكد قلقه بالتحذير الأخير , فأنت يامصر أم العرب وأملهم فإن سُرقتْ ثورتُك سينتهي أمر العروبة وئيدة قابعة تحت سياط الذل والقهر والهوان ....
وهذه الحقيقة التي أشار إليها الشاعر نراها اليوم ماثلة أمامنا , فهناك من يتآمر خفية على هذه الثورة ليجهضها ويعود بالشعب والبلد إلى حيث كان , وهكذا نرى أن الشعر قد أصبح من الحياة ولها , وقد عمل على تطويرها نحو الأفضل , ولم يكن مجرد صدى لها , وقد تجلى ذلك في رؤيا مستقبلية فيها تطلع نحو مستقبل أفضل ’ فهو بذلك يسعى لتطوير ماحدث على الساحة العربية عامة والمصرية خاصة,ولا يكتفي بمجرد تصوير الحدث تصويرا فوتوغرافيا لاجدوى منه .
ثانياً: صناعة اللغة الشعرية والبلاغية:
وهنا في هذه المحطة القصيرة سأقف عند بعض النقاط التي أظهرت التوازن الشعري , والحس العقلاني الإبداعي الذي رغم انتشائه بفرحة الثورة إلا أنه بقي متوازنا مدركا طبيعة القول الشعري الذي يتفرد عن غيره من أجناس القول بخاصية الشعرية التي ترقى به إلى درجة الإبداع والفن , وسأكتفي بتحليل بعض الأبيات والصور في القصيدة .
يقول الإمام عبدالقاهر الجرجاني: ((ومن سرِّ هذا الباب أنك ترى اللفظة المستعارة قد استعيرت في عدة مواضع ثم ترى لها في بعض ذلك ملاحة لاتجدها في الباقي)) {6*}.
لقد وفِّقَ الشاعر لاختيار ألفاظه من ناحيتين ,الأولى من الناحية اللغوية فإنّ القاموس اللغوي يشير إلى أن الشاعر يهدف إلى ايصال صوته إلى أكبر فئة من الناس , فلغة القصيدة هي اللغة الفصحى السهلة القريبة المأخذ والفهم,وقد خلت القصيدة من الألفاظ الصعبة والقديمة , بل هي اللغة المعاصرة التي تمثل لغة التواصل اليومية على مستوى المنطقة العربية ومن لغة القصيدة مصر,ظلام,النيل,الكرباج,الشعب,يد’تماسيح,لص,قصر,كنوز,دم,تربة,قمة,رمال,بشر,ليل ,مذابح,قذر,سيف,حمْل... وهذه الألفاظ يفهمها ويعرف معناها الصغير و الكبير, والعاميّ و المثقف , وبهذا تدخل القصيدة في وصف السهل الممتنع , وتبتعد عن الإغراب والغموض المنفرين , وبالتالي تشكل تقاربا بين القارئ /المتلقي/ و النص , أما الناحية الثانية فهي الاختيار النسقي والدلالي, يقول الجرجاني: ((واعلم أن مما هو أصل في أنْ يدق النظر ويغمض المسلك في توخي المعاني التي عرفت أنْ تتحد أجزاء الكلام ويدخل بعضها في بعض , ويشتد ارتباط ثان منها بأول , وأن يحتاج في الجملة إلى أن تضعها في النفس وضعاً واحداً)){7*}.
ويقول الجرجاني: ((الدلالة هي كون الشيء بحالة يلزم من العلم به العلم بشيء آخر,والشيء الأول هو الدال,والشيء الثاني هو المدلول)) , فالدلالة في علم اللسان هي العلاقة التي تربط بين الدال والمدلول .{8*}
ويقول ديسوسور: ((لاتربط العلامة اللغوية بين شيء واسم,وإنما بين مفهوم وصورة سمعية)){9*} .
وسنحكم على الشاعر وفق هذا الضابط من خلال مايلي:
ففي البيت الأول يبدأ الشاعر بالنداء , وهنا يستعير الشاعر النداء لغرضٍ قد ظهر من خلال السياق , فالنداء للشعب والأصل(ياشعب مصر) , ولكن لو قال الشاعر ياشعب مصر , لدخل الشعب كله ضمن النداء , والشاعر لايريد الشعب كله في الدخول تحت راية الخلود الثوري التاريخي , بل يفصل ذلك , ففي الشطر الثاني يخبر أنَّ فئة من الشعب قد انفصلت بسبب ظلمها وعدوانها , وبالتالي لم تدخل ضمن الحكم , وهنا أذكر بقوله تعالى مخاطبا نوح عليه السلام يخبره عن ابنه الذي من صلبه: ((قال يانوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح...)){10*} , وإثبات ذلك من القصيدة يظهر في البيت ماقبل الأخير حيث يقول فيه: ياشعب مصر ألا فاحذر فهم كثر , وهنا وجه الخطاب للشعب بعد أنْ فصل بين الشعب المصري والعملاء الظلام الذي باعوا الشعب والوطن باسمٍ مصري , فانتماؤهم للعروبة أمر كان كاذبا لتنفيذ المخططات الصهيونية .
فإذا تجاوزنا النداء إلى حرف التحقيق(قد) فإننا نجد أنَّ الشاعر يؤكد كلامه , فالأمر قد تم َّ وحصوله صار مؤكداً ,فالشعب قد قلب المعادلة ويظهر ذلك بالفعل(صار) , فلو استخدم أي فعل غير (صار) لما أدى المعنى بهذه الدقة , ففي المعجم صار_صيرا وصيرورة ,ومصيرا:رجع , والمصير:المنتهى والمآل,وحق تقرير المصير عند الشعوب:حقها في أن تقرر بنفسها نظام الحكم في بلادها,واتجاه سياستها وربط علاقاتها مع سائر الدول{11*} , فالصيرورة الانتقال من شأن لشأن , فالتاريخ لم يكن ليرحم الشعب لو بقي على حالته من الذل والظلم , وقد قام الشعب المصري بالتحول والصيرورة من الموت أحياء في مقبرة التاريخ إلى الارتفاع إلى درجة تسمو على التاريخ حتى أصبح الأبد ينطوي تحت راية الشعب المصري يقف إلى جانبهم ليضمن لهم البقاء الأبدي , وفي المقابل سيلغي من سفْر الخلود أولئك العملاء الخونة , والأبد في العلم الإلهي البقاء الذي له بداية وليس له نهاية , فالشعب المصري باقٍ خالد لاينتهي ولايزول,وأعداء الشعوب لامحالة زائلون بائدون .
أما (من)التبعيضية فتدل على كثرة أنصار الثورة فما الأبد إلا واحد/بعض/من الأنصار الكثُر .
أما الشطر الثاني فيبدأ الشاعر بالفعل(أدبرت) وينهي البيت بالفعل(تبتعد) وهذا تسلسل منطقي وترتيب يصف حالة الظلام بدقة فهم أداروا ظهورهم ثم ابتعدوا عن البلد , وفي كلمة (عصبة) يؤكد الشاعر التفريق بين الشعب المصري العظيم وبين الخونة الظالمين , فالعصبة الجماعة من الناس,فهم جماعة وليسوا المجموع,وفي الوصف الذي أضيفت إليه العصبة(الظُّلام) حسن في الاختيار,فهو جمع كثرة وهو قريب الوزن من الصيغة(ظلاَّم)وهو صيغة المبالغة التي تدل على الكثرة , وهنا إشارة إلى كثرتهم وكثرة ظلمهم .
أنتقل الآن إلى البيت التالي:
ويشـتـم الصـحـب يبـكـي الشـعـب منتـحـبـا مــثـــل الـتـمـاسـيــح تــبــكــي وهــــــي تــــــزدرد
وهنا سأقف عند التشبيه لا من حيث هو مشبه وهو(الظلاّم) , وأداة التشبيه(مثل)والمشبه به (التماسيح) ووجه الشبه(تبكي وهي تزدردُ) , بل سأشير هنا إلى وجه الشبه , ومدى التوافق بين حال المشبه وحال المشبه به في الفعل(يزدرد) , ففي اللغة يقال: ازدرد اللقمة و زرِدها ابتلعها , فهو زَرِد أيْ: سريع الابتلاع {12*}, وهنا سأشير إلى أمرين , الأول أن الشاعر شبه الظالم بحيوان , ولم يختر أي حيوان بشكل عشوائي , مع أن الظالم لو شُبِّه بالذئب أو الأفعى أو الكلب أو أي حيوان مفترس لصحَّ ذلك , والأمر الثاني هو سبب اختيار التمساح دون سائر الحيوانات , وأقول من المعروف أنَّ التمساح عندما يريد أن يصطاد فريسته يبدأ بالبكاء ليشعر الفريسة بالطمأنينة , فإذا مااطمأنت له افترسها بوحشية بالغة , محكما إطباق فكيه عليها حتى يضمن أنها لن تفلت , فهو يبكي عليها قبل أن يزدردها , ولكن فعل الازدراد حاصل أثناء التخطيط للفتك بالضحية , والصورة المقابلة لهذه الصورة هي صورة الحاكم وجماعته , ولكنهم بعد أن تظاهروا بالبكاء ومحبة الوطن وأظهروا الولاء , وبعد أن اطمأن لهم الشعب فتكوا به وأذلوه وقهروه , وعندما طردهم الشعب لم يعترفوا بظلمهم بل ظلوا_كما رأينا مبارك ووزراءه_يتظاهرون بحب الوطن والشعب , وراحوا يبكون على الشباب الذين وقعوا شهداء في الأراضي المصرية بعد أن قاموا بقتلهم , والأمر هنا عند هؤلاء الظلام أشد وحشية , فالتماسيح تتظاهر بالبكاء فقط حتى تنتهي من القضاء على الفريسة , ولكن هؤلاء الظلمة قتلوا الشباب الأبرياء , ونهبوا الوطن وشردوا الناس , وهم مايزالون يتظاهرون ويكذبون , ويصرون على العودة للتنكيل والتمثيل بالضحية /الشعب/ , فالوحشية فيهم متأصلة , وهنا يؤكد الشاعر من خلال هذه الصورة أن كل ادعاءاتهم باطلة , وأن دموع التماسيح التي يذرفونها ماهي إلا محاولة للالتفاف على ثورة الشعب , وبالتالي لاسبيل للخلاص منهم إلا بالاقتصاص منهم وإقصائهم إلى غير رجعة .
وأختم هنا بهذا البيت:
*فــــــأيــــــن يــــابــــلـــــد الأشــــــبـــــــاح مـــوئـــلـــنــــا وهـــــل يـــجـــيء بـــمـــوت الـحـاقــديــن غــــــد
وهنا في هذا البيت يوجه الشاعر سؤاله على سبيل الاستبطاء , فالشاعر يحسُّ ببعد زمن الإجابة عن زمن السؤال , والتحسر الذي أبداه الشاعر من خلال النداء , فهو يتحسر على مامضى من سنين طويلة بقي فيها البلد تحت حكم الظالمين حتى كاد أن يخلو من الحياة , وقد قدم الحكم في الشطر الثاني , وهو موت الحاقدين لأهمية هذا الأمر , ولأنه هو المبتغى من الثورة , وحتى لاتكون دماء الشهداء قد ذهبت هدراً , فحصول الحكم أهم من إقبال الفاعل/الغد/ بالفراغ دون أن يتحقق فعل الخلاص بموت الحاقدين .
وليس ماأشرت إليه هم كل شيء في القصيدة بل هو غيض من فيض , فالقصيدة مليئة بما يستحق أن يدرس , ويوقف عليه من جوانب كثيرة , ولكن أكتفي بهذا القدر لضيق المقام هنا .
وأخيرا أشير إلى بعض النقاط في القصيدة:
1ً_ لقد استخدم الشاعر الدالات المناسبة واالمعبرة بدقة للمدلولات /المعاني/ الثورية التاريخية .
2ً_ استطاع الشاعر أن يصنع قاموسا شعريا متفردا , وأن يوظف اللغة توظيفا شعريا وبلاغيا في خدمة المعاني التي أراد التعبير عنها .
3ً_ اختيار الشاعر اللغة السهلة الواضحة لم يحل دون الوصول إلى الشعرية , بل كان عاملا هاما في جذب القارئ المتلقي .
4ً_ صفة كسر الأنساق النحوية كانت واضحة في القصيدة مما أعطاها جمالا في النظم , وأضفى على الموسيقى الداخلية إيقاعا وحد بين أجزاء القصيدة ككل , بالإضافة إلى استخدام الأدوات النحوية بلاغيا مما عزز اللغة الشعرية وزاد في دقة المعاني , ووضوح الصور وتقريبها من ذهن المتلقي .
5ً_ تحقق الوحدة العضوية في النص , فالنص يشكل خلقا أدبيا مستقلا , حيا متحركا , يحمل أبعاد وانفتاحات القصيدة الكلية .
****************
"الهوامش":
{1*}:مبادئ النقد ونظرية الأدب
{2*}: المصدر السابق نفسه .
{3*}: ديوان(سيمفونية القلق) شعر عبدالرحمن سليم الضيخ
{4*}:المعجم المدرسي
{5*}:معجم المصطلحات والشواهد الفلسفية
{6*}: دلائل الإعجاز
{7*}: المصدر السابق نفسه .
{8*}: معجم المصطلحات والشواهد الفلسفية .
{9*}: المصدر السابق .
{10*}:القرآن الكريم_ الجزء الثاني عشر_سورة هود_ الآية46 .
{11*}:المعجم المدرسي .
{12*}:المصدر السابق .
****************
"المصادر":
{1}: القرآن الكريم .
{2}:مبادئ النقد ونظرية الأدب(الجزء الأول) د.رضوان القضماني_د.جودت إبراهيم _ (من منشورات جامعة البعث في حمص_ كلية الآداب والعلوم الإنسانية , مديرية الكتب والمطبوعات الجامعية 1998_1999م) .
{3}: ديوان(سيمفونية القلق) شعر عبدالرحمن سليم الضيخ _من مطبوعات دار الشعار للطباعة _سوريا _حمص 2002م .
{4}:معجم المصطلحات والشواهد الفلسفية _ جلال الدين سعيد _ دار الجنوب للنشر_تونس_1994م .
{5}: دلائل الإعجاز في علم المعاني_ تأليف الإمام عبدالقاهر الجرجاني_منشورات جامعة البعث في حمص
كلية الآداب والعلوم الإنسانية_طبعة عام 1988_1989م .
{6}:المعجم المدرسي _ تأليف محمد خير أبو حرب , تدقيق ندوة النوري _مطبوعات وزارة التربية في الجمهورية العربية السورية _ الطبعة الأولى 1406ه_1985م .
"
avatar
أبو البراء

المساهمات : 260
تاريخ التسجيل : 14/02/2010
العمر : 66

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى