غابة النرجس...شعر:الدكتور نبيل قصاب باشي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

غابة النرجس...شعر:الدكتور نبيل قصاب باشي

مُساهمة  أبو البراء في الأربعاء فبراير 16, 2011 9:50 pm

أقلّب ذاكرتي في الخواءِ فيغتالُني الوقتُ والانتظارْ
ونرجستي لم تزلْ متعبـَهْ
وأرقصُ والسيفُ في رقبتي وَدمي ظامئٌ أُوشِكُ اليومَ أنْ أشربَهْ
أيجلدُ تاريخُ سيفي هَوَى أُمنياتي وأحمرُ أشباحِهِ في طيوفي يُراودُ ألوانَ حتفي ؟
أيحسبُني ريشةً في مَهَبِّ أناملهِ أوْ سحابةَ صَيْفِ
أيحسبُني نُغبةً في خمورِ موائدِهِ سفحتْها أباريقُ غُلمَانِهِ
أيحسبُني كشقائقِ نُعمانِهِ ؟
أيحسبُني راكعاً كجواري سلاطينِهِ ...
قابعاً في حِمَى حانِهِ ...
مثلَ ليلٍ يُجرجرُ أثوابَهُ خلفَ هولِ البحارْ ؟
ويزعمُ أنّي سرقتُ دُجى الليلِ من ناظرَيْهِ وكبّلتهُ بالنهارْ
ويزعمُ أنّي حبسْتُ ذُرَا الشمسِ في قُمْقُمي ثمَّ عطّلتُ فيها المدارْ

ويزعمُ أنّي تواريتُ في غابِهِ كي أراودَ تيجانَ نرجسِهِ عن هوى نفسِهِ ..
ثمَّ أَضفرَ زُخْرُفَهُ في جَبينيْ أَكاليلَ غَارْ
ويزعمُ أنّي خطفْتُ فُضَالةَ تُفَّاحةٍ منْ عرائشِ بُستانِهِ واقْترَفْتُ جريمةَ ..
مُضْغَتِهَا حينَ جُعْتُ وجَاعَ بَنُونِي الصِّغارْ
وأمرقُ منْ دينهِ إنْ نسيتُ تسابيحَهُ الضارعاتِ وذاكرتي اتُّهِمَتْ بجُنونِ

الهَوَى ..منذُ عشّشَ في كهفِهَا الوردُ وَارْتاحَ فيها الحمامْ
أيُتَّهَمُ الوردُ إنْ نامَ بينَ أَصَابعِ كفّي
أمَ انِّيَ مُتَّهَمٌ إنْ حضنْتُ الحَمامَ وخبَّأْتُهُ في صَناديق عشقي وأسقيْتُهُ نُغْبَةً مِنْ
هُيامْ
&&&&
ويزعمُ قاضي الخليفةِ أنّي قرأتُ "طبائعَهُ المُستبدّهْ " (1)
وأنَّ "كواكبَه"(2) سرقتْها عيوني وباتتْ تُجّمِعُ أدمعَهَا في جفونيَ ضدَّهْ
وباتَ يُلاحقُ جفني إذا الدّمعُ جَنّدَ فوقَ خُدُودِيَ حشْدَهْ
ويزعمُ أنّي أُصلّي رياءً لغيرِ السماءْ
وأنّي أكحّلُ عاشقتي ببخورٍ تشظّى احْتراقاً وأحفرُ في وجنتيها نجومَ النهارْ
وأنّي أمارسُ فكري كما أشتهي والبَغِيُّ تشاطرُني الاشتهاءْ

ويأمرُ قاضَي القضاةِ بسجني
لأنَّ رَمادي اسْتوى دونَ أكوامِهِ جَمْرُ ناري
لأنَّ زُهُورِي اسْتوى دونَ أكمامِهَـا جُلُّنَارِي
لأنَّ هُمومِي اسْتوتْ مُثْقَلَهْ

لأنَّي وقفتُ على حدِّ سيفي أُحاولُ أنْ أَصْقُلَهْ
لأنَّ الخليفةَ أغفى على قلقٍ مُتْعَبَاً أنهكتْهُ وَسَاوسُ ناقتِهِ التغلبيّهْ
وباتَ يَمَلْمَلُ منْ خُفّها يومَ أمسى يحطُّ على أنفهِ ؛ بيدَ أنَّ الخليفةَ ظلَّ ..
يُصعِّرُ خدَّ البسوسِ على خدّهِ نافخاً أنفَهُ بزُكامِ المديحْ
ويُلقي قصيدةَ عشقٍ بنَعْيِ " كُلَيبٍ " وتحتَ حوافرِ أخْمصِهِ تتنزَّى جراحُ

الذّبيحْ
ويهتزّ جذلانَ يرقصُ فوقَ نهودِ الجواري
لقدْ كانَ مُنْتشِيَاً يومَ أضْحى يُضاجعُ جَاريةً يَعْرُبيَّهْ
ضَفائرُها السُّودُ تمتدُّ عابرةً كشحَها لِتَحُطَّ على قدَمَيْهَا .. وَتَمْضِي بها

غَنَجَاً ..منْ غَوانِي الخَليجِ إلى صَدْرِغَانيةٍأطلسيّهْ

وصدرُ الخليفةِ جَاثٍ على شَهْرَزَادَ كريشِ نَعَامٍ يموجُ على شاطئٍ منْ محارِ
تخدّرُ فَاهُ بقُبْلتها إنْ رغَا صَاحياً منْ رُكامِ الجواري
وحينَ يموتُ الصباحْ
تراودُهُ خمرةُ الوقتِ مُنتشياً بالكلامِ المُبَاحْ
&&&&
تضجُّ النوارسُ حينَ يموتُ الرحيقُ وينتهكُ النحلُ أعشاشَهُ
وحينَ تعودُ النوارسُ يغضبُ بحرُ الخليفةِ ثانيةً ..
فتهبُّ مهاجرةً نحوَ أعشاشها المُقْفَلَهْ
تنامُ على حُلُمِ المستحيلْ
لقد طالَ شوقُ النوارسِ للبحرِ .. طالَ طويلاً
وصرتُ أُصلّي لها
وطالتْ صلاةُ انتظاري لنعشٍ مُسجّى برملِ شواطئها المتعباتْ
متى يسرقُ النعشُ ثغري ؟؟
لقد ملّني غضبُ الوقتِ حتى هربتُ إلى الانتظارْ
و حينَ وَصَلْتُ إلى شهريار
تَلَوّى يُعانقني فاغراً شفتيهِ وأوداجُهُ انْتَفَخَتْ مُثقلَهْ
تُقهْقِهُ كالقنبلَهْ
لقد حَمْلقَ القهْرُ في عينِهِ حينَ راحتْ تُراوِدُني شَهرزادُ وفي شفتيها ارتعاشةُ نَحْلَهْ
وَهَاجَ بنَبْضِي ارْتِجَافُ الحنينِ إليها وكادَ على الثّغْرِ تَهْطُلُ قُبْلَهْ
ووشوشةٌ كشَذَى سُنْبلَهْ
ولم يبقَ ليْ كيْ أهرولَ نحوَ لَمَى ثَغْرِهَا غيرُ ألفِ صباحٍ ولَيْلَهْ
وحينَ ارْتميتُ على صدرِهَا المُتشظّي حَطَطْتُ على مِقْصَلَهْ
هناكَ تأزّرتُ بالنّارِ منْ صدْرِهَا البَضِّ ثمَّ ارتديتُ نجومَ الصباحاتِ ..
حتّى انتشىيتُ ملياً وغبتُ أفتّشُ عنْ آخرِ ليلتِهَا الباقيَهْ..
هربْتُ منَ الصّبحِ حينَ اتُّهمتُ بأنّي شهيدٌ وأني أُحرّضُ كلَّ الفراشاتِ ..
كيما تطيرَ إلى نَخْلةٍ قدْ سَمَتْ نائيَهْ
أيُعْقَلُ أني شهيدٌ وقد كنتُ دوماً أمارسُ عُهْرَ السياسةِ مُختبئاً في ثيابِي العفيفَهْ؟
هربْتُ منَ الصُّبحِ حينَ اتُّهمتُ بأنَّ أبا ذرٍّ الحُرَّ منْ أصدقائي يشاطرُني

رأيَهُ .. في اقْتسامِ سنابلِ قَمْحِ الخليفهْ
وأنَّ ثيابي التي اتّسختْ بمديحِ الأميرِ نظيفَهْ
وأنّي أُدَمْدِمُ منْ تحتِ أرجلِهِ شُمَّ أعجازِ نخلتِهِ الخَاوِيَهْ
&&&&
لقد أزفتْ لحظتي الباقيَهْ
فعدْ بيْ إذنْ نحوَ مرسى السفينةِ كيما أعاقرَ خمري الذي قدْ نسيتُ بدجلَهْ
ودعْ شهرذادَ تزقُّ بثغري المُدمَّى سَنابلَ قُبلَهْ
لعلّي أراودَ أشرعةً غرقتْ في فُرَاتِ عراقِي
لعلّي أرى " بردى " في عيونِ أبي ذرَّ ينضحُ في دمعهِ دمعةً حائرَهْ
هناكَ على دمعهِ رحتُ أنفضُ ذاكرتي ورُكامَ احتراقي
هناكَ نسيتُ جُنوني وَمَا عُدْتُ أذكرُ أنّي نسيتُ نُهَى الذاكرَهْ
هناكَ نسيتُ بأنّي أُمارسُ "تهريبَ" بعضِ "الحشيشِ" لأقمعَ إرهابَ فقري

وكفري
هناكَ نسيتُ على ضفّةِ النّهرِ قارورةً منْ قواريرِ عطري وخمري
نسيتُ بأنّي ظَمِئْتُ وحوليْ ينابيعُهُ الهادرَهْ
نسيتُ بأنّي عَرِيتُ وحوليَ أشجارُهُ الناضرَهْ
نسيتُ وِسادةَ عُشْبي وثوبَ ضِفَافِي
ففوقي عَراءٌ وتحتي عراءْ
وبيني وبينَ السماءْ
مسافةُ عشقٍ ونجوى
وبيني وبينَ لَظَى عَطَشِي وَاحْتِرَاقِ شَهيقِيَ جُرْعةُ ماءْ
وبيني وبينَ دمشقَ مسافةُ سَيْفٍ وحَتْفٍ وبينَهُمَا يجثمُ العائدونَ منَ"القاهرَهْ"
وبيني وبينَ ثيابيَ أجْثُو بلا عَوْرةٍ في العَرَاءْ
وحينَ غدوتُ بلا عَوْرةٍ عاهرَهْ
حسبتُ المنايا تُكفّنُنِي ثمَّ أمضي إلى برْزَخِ الآخرَهْ
ولكنّني قدْ نسيتُ عُرَا كفني ونشيدَ صَلاتي .. فكيفَ أُصلّي وَذَاكرَتِي لمْ تعدْ

ذَاكِرَهْ؟
وكيفَ أُسَجَّى بلا كَفَنٍ وفيوضُ دمي لمْ تزَلْ هادرَهْ
وبوقُ السّفينةِ أعلنَ أنَّ السفينةَ لمْ تنسَ مِجْدافَها ..
سوفُ تُبحرُ هاجرةً بحرَها وشواطئَ كلِّ البحارْ
فدعْني إذنْ في المحطةِ وحدي أجرُّ انتظاري وأدفنُ ناصيتي الكاذبَهْ
ودعني هُنا بينَ صوتي المُسجَّى وبينَ الصّدَى والمَدَى
أعاتبُ ذاكرتي الخائبَهْ
أشدُّ إليها حبالَ الرَّدَى
وأرمي لموجِ بحاريَ أشرعتي الخائرَهْ
سيبقى يمرُّ المدى وحدَهُ بيْ وأنتظرُ العائدينَ منَ "القاهرَهْ"
ولكنّهمْ لمْ يعُودُوا لقدْ عُدْتُ وحدي وما كنتُ أدري بأنَّ المحطةَ قدْ أعلنتْ

أنهَا مُقفلَهْ
لقد عدتُ أندبُ عشقي وفي أدمعي رعشةُ السُّنْبلَهْ

فلا بدَّ منْ رحلةِ البدءِ كيما أحطَّ رحالي بكينونةِ الانتظارْ
وأُخفي رماديَ بينَ الرُكامِ وأدفن تحتَ لظى أخمصي المِقْصَلَهْ
فيا أخمصي تحتَك المستحيلُ سَيُعلِنُ جَلْجَلةَ الزّلْزَلَهْ
سيُعلنُ مهما اخْتفى الوقتُ في دهاليزِ مثواهُ أنْ يقتلَهْ
تعالَ إذن هذهِ أَنْمُلي انْفَرَجَتْ كلُّها ليسَ بيني وَ بينَ لظَاكَ سِوَى أَنْمُلَهْ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) طبائعه المُستبدّة : إشارة إلى كتاب" طبائع الاستبداد "
(2) كواكبه : إشارة إلى صاحب الكتاب "عبد الرحمن الكواكبي"
دبي 10/2/2011م

&&&&&&&
&&&&&
&&&
&&
&

avatar
أبو البراء

المساهمات : 260
تاريخ التسجيل : 14/02/2010
العمر : 66

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى