جود والشمس.......... قصة أطفال -الدكتور هيثم يحيى الخواجة

اذهب الى الأسفل

جود والشمس.......... قصة أطفال -الدكتور هيثم يحيى الخواجة

مُساهمة  عبد الرحمن في الأحد أكتوبر 10, 2010 10:16 am

بعد أن استمعت جودُ من معلمتِها إلى درسِ (الشَّمسِ) وربطَتْ بينَ حبّها لشروقِها وحزنِها على غيابِها قررتْ أن تصادقَها لما لها من فضلٍ على الإنسانِ والحيوانِ والنباتِ.
سيطَرت الفكرةُ على ذهنِ جود، وبدأتْ تبحثُ عن الأسلوبِ المفيدِ، لكي تنجحَ في تحقيقِ هدفِها.

هل تدعُوها إلى زيارتِها في البيتِ؟ أو تتفقُ معَها على اللّقاءِ في متنَزَّهِ الحي؟ أو تدعُوها إلى وليمةٍ عامرةٍ بلذيذِ الطعامِ والشرابِ؟ أو تقدمُ لها هديةً ذاتَ قيمةٍ؟…
كلُّ هذه التساؤلات خطرتْ ببالِها، وهي تجهزُ نفسَها لمصادقةِ الشمسِ، لكنَّها لم تصلْ إلى نتيجةٍ نهائيةٍ، ولذلك ظلَّت أياماً بلياليها تعانِي من القلقِ والتفكيرِ بحثاً عن الأسلوبِ الذي ستتبعهُ هذه الأُمنية.
وفي جلسةٍ هادئةٍ اعتادتْ الأسرةُ أن تجتمعَ بها في العطلةِ الأسبوعيةِ طرحتْ جودُ فكرةَ مصادقةِ الشمسِ على والديها اللذين استمعَا إليها بشوقٍ وجِدِّية، وأُعْجِبا بتفكيرِها.

وسرعانَ ما تحولَ الحوارُ إلى جلسةِ عملٍ حقيقيةٍ عندما سألتْ أمُّ جود ابنتَها:
- ما الخطواتُ العمليةُ التي ستتخِذينها لتحقيقِ فكرتك؟
صمتتْ جودُ لحظةً متذكرةً إصرارَ والدها على التخطيطِ لأيِّ أمرٍ تريدُ تنفيذه، ثم قالتْ:
- المشكلةُ عندي كيف أوصلُ هذه الرسالةَ إلى الشمسِ.
وأخرجتْ من حقيبتِها رسالةً كانت قد وضعتْها في مغلفٍ كُتبَ عليه من الخلفِ : ( فضاءُ الكونِ – ميدانُ الكواكبِ والنجومِ – تصلُ ليد السيدةِ الكريمةِ الشمس) وكُتبَ عليهِ من الأمام : (المرسلةُ جود صادق)
ضحكَ الأبُ، واندفعَ متدخلاً:
- رسالتُك يا بنتي ستصِلُ إلى الشمسِ دون ورقةٍ أو مُغلَّفٍ.
- كيف يا أبي؟ هل ستخبرُ صديقكَ الطيار، لكي يقولَها شفاهةً إلى الشمسِ؟
- ولا هذا أيضاً؟
فصمتَتْ جود فتابعَ الأبُ:
- إذا كنتِ ترغبين بالمساعدةِ، فأنا على استعداد لذلك.
- وهل يستطيعُ الإنسانُ النجاحَ دونَ الاستماعِ إلى الرأيِ الآخر واستشارةِ من هم أحبّ ما في الدنيا؟!
ابتسمتْ الأم مسرورةً، ثم لامستْ شعرها برفقٍ، وهي تقولُ:
- أنت وفيَّةٌ يا جودُ، وماهرةٌ في انتقاءِ الأصدقاء.
وتابع الأبُ الحوارَ شارحاً الأساليب المتعددة لصداقةِ الشمسِ ومفصّلاً بعضَ النقاطِ المهمةِ لتحقيقِ ذلك منها: فهمُ شخصيتها، والسماحُ لها بإطلالةٍ يومية من نوافذ البيت، وكذلك معرفة فوائدها في اخضرار النباتِ وألوانِ الأزهار وأثرِها على حياةِ الإنسان والحيوانِ.
لم تصبرْ جودُ على الإنصاتِ كثيراً، إذ سرعان ما قاطعتْ أباها:
- ولكن ذلك كلّه لا يجعلُها تعرفُ شيئاً عن صداقتِي؟
وتدخَّلَتْ الأمُّ، وهي توزعُ كؤوسَ عصيرِ البرتقالِ على المنضدةِ:

- ستعرفُ يا بنتي، لأنَّ بخارَ ماءِ المحيطاتِ والبحارِ والأنهارِ والسواقي والجداولِ ينقلُ أخبارَ أهلِ الأرضِ وآراءهم وتحركاتِهم إلى الشمسِ، ولكنْ لم اخترتِ صداقةَ الشمسِ بالذات؟
- لأنَّ رسالتَها كبيرةٌ جداً
توقفَ الحوارُ، وعلاماتُ الإعجابِ بجودٍ باديةٌ على وجهِ والدها.
ذهبتْ جودُ إلى غرفةِ نومِها، وما كادتْ تَستلقيْ على الفراشِ، وتُغَطِّي جسدَها ووجهَها بلحافِها الناعم الرقيقِ حتى رأت قرصَ الشمسِ بلونهِ البرتقاليِّ الغامقِ ينْزلُ وراء البحرِ مُغادراً المكان…
حزنتْ لذلك، وبكتْ إلاَّ أنَّ غيابَها لم يدمْ طويلاً إذ سرعان ما شاهدتْها تشرقُ بلونِها الأبيضَ جميلةً زاهيةً. وبحركةٍ سريعةٍ وجدتْ جودُ نفسَها تجدلُ من خيوطِ الشمسِ جديلةً قويةً تُشْبهُ الحبلَ، لتكونَ وسيلتَها المناسبةَ للوصولِ إلى صديقتِها الشمس. عندها تذكرتْ فيلم طرزان، وكيفَ كان القردُ يتسلّقُ أغصانَ الأشجارِ، ويستخدمُها في الانتقالِ من مكانٍ إلى آخر.

ها هي جودُ تتسلقُ، وتتسلقُ، وكلَّما شعرتْ بالتعبِ ارتاحتْ قليلاً، ثم عادت إلى متابعةِ التسلّقِ.. وفجأةً أَحسَّتْ بالتعبِ، وبدأَ الإرهاقُ يسيطرُ على يديْها ورجليها..
حَارتْ جودُ بما تفعلُ، ونَظَرتْ إلى الأعلى فلم تُشاهدْ إلا طبقةً سميكةً من الغيومِ، ثم نظرتْ إلى الأسفلِ فلم ترَ إلا طبقةً أخرى من الغيومِ البيضاء.. واصلتْ المسيرَ بتصميمٍ أكثرَ وقوةٍ نتجت عن إصرارِها من أجلِ الوصولِ إلى الشمس التي ظلَّتْ بعيدة بعيدة.

وعلى الرغم من الجهد الذي بَذَلته لم تصلْ جودُ إلى الشمسِ، ولمَّا عرفتْ أنها صارتْ عاجزةً عن مواصلةِ رحلةِ التسلّق نادتْ الشمسَ بأعلى صوتِها تطلبُ منه نجدتَها.
- أيتها الشمسُ ! يا صديقتي الغالية رغبتُ أن أزورَكِ فما استطعتُ.. ساعدِيني أرجوكِ.
- اسمعيْ يا جودُ أنا أشكُركِ من قلبيْ، ولا أنصحُكِ بأن تتابعي رحلتَك إليَّ.
- ماذا تقولين؟!
- نعم لا أنصحُك، لأنني أحبكِ، فحرارتي قويَّةٌ جداً، وستُؤذيك.. ارجعيْ إلى الأرضِ، وانعمي بدفئِي، وأَعِدُكِ أن أظلَّ صديقةً وفيةً لكِ.
- شكراً يا عزيزتيْ … لقد فهمتُ جيداً.. سأعودُ فوراً.
- وداعاً..
ولم تعرفْ جودُ كيفَ أُفلتتْ جديلةُ النُّورِ مِنْ يديها، وهوتْ بقوَّةٍ باتجاهِ الأرضِ وهي تصرخُ صراخاً مُدوِّياً.
في صباحِ اليومِ التالي استيقظتْ جودُ باكراً، وخلالَ مسيرِها باتجاهِ المدرسةِ كانتْ خيوطُ الشمسِ تسيرُ إلى جانبِها تحكي لها سيرةَ الشمسِ الطويلةِ..عندها شعرتْ بأهميةِ صداقتِها لهذا الكوكبِ، فهي التي تجودُ بنورِها للقمرِ ، وتُؤَّثرُ في لون الأزهارِ، وتمدُّ الأرضَ بالدفءِ والضياءِ…
وكم شعرتْ جودُ بالفخرِ والاعتزازِ عندما شرحت المعلمةُ دورَ الشمسِ في نضجِ الفواكهِ التي تُحبُّها كثيراً.
ومنذُ ذلك اليوم لا تستطيعُ جودُ أنْ تَتَخلَّى عن صداقةِ الشمسِ، فهي تحبُّ لونَها البرتقاليَّ الضارب إلى الحمرةَ وقْتَ الغروبِ ولونَها الأبيضَ وقتَ الضُّحى ولونَها الأصفرَ في المساءِ، وكثيراً ما تجلسُ لترسمَ شَكلَها، وتلوِّنَه سعيدةً مسرورةً.
ومنذُ أن صادقت جودُ الشمسَ قررتْ أن تدرس كل شيءٍ عن الكواكبِ، وما إن شرحَتْ لأبيها فكرتَها حتى أهدتْها أمُّها مكتبةً جميلةً، ووالدُها وأخوها عشراتِ الكتبِ التي تَتَعلَّقُ بالشمسِ والقمرِ والنجومِ والمريخِ والزهرةِ وغير ذلك."
أرسلت في الثلاثاء 29 يونيو 2010 بواسطة abad









avatar
عبد الرحمن

المساهمات : 205
تاريخ التسجيل : 23/01/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى