من خاطرة الأيام

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

من خاطرة الأيام

مُساهمة  وليد الضحيك في الإثنين مايو 03, 2010 11:19 am

من خاطرة الأيام
بعد رحلة طويلة وشاقة من دروس مادة الكيمياء التي طاف من خلالها المدرس على صفات وتراكيب كل عنصر كيميائي وصل بنا إلى المحطة الأخيرة والأهم من الكرّاس والذي يعتبر بحق خلاصة الدروس السابقة حيث قارن فيه بين صفات العناصر السابقة ثم استخلص أقوى هذه العناصر فقال باختصار:الحديد هو أهم هذه العناصر وفيه بأس شديد وهو من أكثر المعادن السابقة مقاومة للعوامل الخارجية وأشدها صلابة ومتانة....وكنوع من التأكيد على هذه الحقيقة العلمية تقمّص المدرس دور مدرس مادة التربية الإسلامية ثم أكد على نتيجته العلمية بربط هذه الحقيقة بالدين لعلمه بتأثر الطلبة بحقائق الدين أكثر من غيرها بقوله: أنتم تعلمون أن الحديد هو المعدن الوحيد الذي أنزلت سورة كاملة من القرآن الكريم باسمه ثم تلا قوله تعالى (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس..) وما إن أتمّ المدرس كلامه حتى كان التعب والإرهاق قد ظهرا جلياً على تقطيبات حاجبيه التي أصبحت كالسراب المتمازج بين السمرة وبياض الطباشير، وكوننا في الدرس الأخير في ذلك اليوم كانت وجوهنا تتحدث ملامحها عن ملل وكآبة مشوبة بالجوع فالبطون الجائعة تصم الآذان وتعمي العين أحياناً !..،فأهمية الدرس والشرح الوافي من قبل المدرس لم تلامس أذناً واعية من الطلاب..وما إن دق الجرس حتى أسرعنا لطي كتبنا ودفاترنا في حقائبنا وعدنا مسرعين إلى بيوتنا لا نلوي على شيء، لا نفكر إلا بالطعام الذي شغلنا عن الدرس الأخير بكامله حتى أصبحنا أمام المدرس أشباه طلاب، وأخذنا نرى المدرس أمام السبورة كأنه شبح يتحدث من داخلها، وكأن الإرسال بيننا وبينه قد انقطع بسبب تشويش أمعائنا الخاوية.
واليوم وبعد مرور أعوام طويلة على هذا الدرس وعلى أيام الدراسة بكاملها، عدت في ذاكرتي إلى تلك الأيام الجميلة الزاهرة ونقلت تلك الصورة من عالم الماضي، ونفثت فيها من روح الحياة ثم جلست أمام ذات المدرس الذي صار اليوم شبحاً حقيقياً، ويتحدث من داخل السبورة التي أصبحت كأنها شاشة لقناة فضائية وكلي آذان صاغية له، ومن حولي طلاب قد بلغوا من الكبر عتيا، وفي هذه الساعة كان تتفتق من ثنايا ثغر المدرس عبرٌ وحكمٌ ومعان قد أضن الزمان في السابق علينا أن نستوعبها، وندرك كينونتها وكأنه قد شعر بثقل هذه المعلومات على الألباب اليافعة ونأيها عن إدراك كنوزها، فوضع لنا أسسها ولبناتها الأولى لنبني في المستقبل عليها عروشنا.فوقر في قلبي كلمات المدرس الأخيرة /الحديد هو أشد المعادن السابقة صلابة وبأساً وأكثرها تحملاً لقوى الطرق والثقب وغيرها من العوامل الطبيعية.../وأخذت هذه الكلمات تتكرر أمامي مرات كثيرة، وكأنها البلسم لهمّ ألم بي ثم استفحل في ظلمة الليل البهيم ولكن هذا التكرار كان يكسبها رونقاً وتأثيراً جديداً في ذاكرتي،وكأنني عابد جلس في محراب العبودية يتقرب إلى بارئه بورد متكرر وطال المقام والعبارة تتكرر عوداً على بدء حتى ملني زملائي من حولي وتركوني وحيداً مع ترياقي ،ثم أعقب ذلك صمت رهيب مزّق الصورة السابقة وأوقف الجزء الأول من المسلسل لتبدأ الحلقة الأولى من الجزء الثاني منه والذي هو من نوع غريب لأنه صمت مطبق كله من أوله حتى الخاتمة لا تختلف حلقاته عن بعضها إلا في فكر بطل المسلسل التائه الذي هو أول ضحية في حلبة الصراع ثم يبقى شاهداً في حلقاته بالخواطر والتخيلات فقط.ثم انقطع هذا الصمت المرعب بقهقهات ساخرة مزقت حجب هذا الصمت الذي لفه ظلام الليل الدامس ثم تلا ذلك تنهدات عميقة وزفرات من قلب جريح محطم الكيان، ثم عاد صوت المدرس من جديد يجلجل في مخيلتي (الحديد هو أشد المعادن بأس وصلابة!!)وهنا جال بخاطري مقارنة عجيبة بين مجتمعي الفيلة والنمل، فقلت في نفسي لو أن مجتمع الفيلة قد خرج منه أضعفه وأوهنه، ثم قام مجتمع النمل باختيار أقوى أفراده وأشجعه، وخرجت من بين أظهرهم النملة البطلة التي لا يشق لها غبار،ثم حصل صراع ومنازلة في حلبة الصراع بين هذا الفيل وبين بطل النمل فكم سيقف بطل النمل أمام هذا الفيل ؟!إن الفيل لن يمهل بطل النمل إلا دقائق معدودة حتى يطأه بحوافره وينهي المعركة لصالحه دون أن يعيَ من ذلك.فمجتمع النمل يمثل في نظري عالم المعادن والنملة البطلة تمثل معدن الحديد أما مجتمع الفيلة إنه يمثل القلوب البشرية التي تتعرض كثيراً لضغوط متنوعة وللذل والحرمان فالقلوب المؤمنة الصابرة هي أشد تحملاً لتأثير العوامل الخارجية من كل المخلوقات على الإطلاق.ولو أن القلوب البشرية في هذه الليلة اجتمعت على صعيد واحد ثم انتقت أشدها تعرضاً للعوامل والضغوط الخارجية والداخلية لأيقنت أنها ستختار فؤادي الذي تصب عليه نوائب الزمان صباً من مزاريب شتى ثم هو بقي صامداً محتسباً رغم الجراح البليغة والمصائب والمحن ،.فليس كالقلوب شيء أكرم على خالق الكون لتحملها قسوت الزمان ونوائبه وليس لها طاقة محدودة تقف عند حدودها ويشهد على ذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :لما خلق الله الأرض جعلت تميد فخلق الجبال فعاد بها عليها فاستقرت فعجبت الملائكة من شدة الجبال ،قالوا :يا رب هل من خلقك شيء أشد من الجبال ؟قال: نعم الحديد،قالوا :يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الحديد؟قال نعم النار ،قالوا يا رب فهل من خلقك شيء أشد من النار ؟قال:نعم الماء .قالوا:يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الماء ؟قال: نعم الريح .قالوا:يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الريح ؟قال :نعم ابن آدم !!(الترمذي 3369.ومعروف أن القلب هو مكان نظر الرب إلى عبده وبصلاحه يصلح الجسد كله وبفساده يفسد الجسد كله. 27/1/2009م
avatar
وليد الضحيك

المساهمات : 23
تاريخ التسجيل : 21/02/2010
العمر : 48

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الأخ العزيز الأستاذ وليد

مُساهمة  عبد الرحمن في الإثنين مايو 03, 2010 3:19 pm

رائع أنت ياوليد...صدقا من أجمل ماقرأت من الخواطر التي التقى فيها العقل والمشاعر فتقاسماها.....بوركت ياأخي وبورك عطاؤك....نلتقي قريبا إن شاؤ الله في 5/5 في بلدنا
دمت ودام ألق إبداعك.
avatar
عبد الرحمن

المساهمات : 204
تاريخ التسجيل : 23/01/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

من خاطرة الأيام

مُساهمة  أحمد الضحيك في الثلاثاء يناير 04, 2011 10:36 pm

شكراً أستاذ عبد الرحمن والله إن التصفيق والتشجيع والترغيب لتدفع الطالب إلى مزيد من التقديم والإستزاده من المواضيع أستاذي بصراحة الردود السلبية على كتابنا معالم وأعلام أصابني بالكثير من الإحباط ولكن هذه الكلمات السحرية منك والله لتشحذ همتي من جديد للكتابة لك الشكر أستاذي ثانية طالبك أحمد

أحمد الضحيك

المساهمات : 11
تاريخ التسجيل : 03/01/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى