قراءة في أربعين مسرحية للأطفال للكاتب الجزائري عز الدين جلاوجي..إعداد الدكتور هيثم الخواجة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

قراءة في أربعين مسرحية للأطفال للكاتب الجزائري عز الدين جلاوجي..إعداد الدكتور هيثم الخواجة

مُساهمة  أبو البراء في السبت فبراير 20, 2010 1:25 pm

إذا كان من الضروري أن يبنى النقد على أساس سليمة وجادة وأن يتأسس على مناهج وأدوات ومصطلحات واضحة ودقيقة، فإن من الضروري أيضاً في نقد المسرح أن يتوازى النقد مع تمثيل هذا الفن تمثيلاً سليما،ً وهذا لا يتحقق إلا من خلال الإحاطة بأسسه الفلسفية وبنياته وفضاءاته وآفاقة ونظرياته، ذلك لأن المسرح يرتبط بعناصر فنية وعلمية وحقول معرفية ، وله علاقة وشيجة بحركية المجتمع والاحتفالية والتاريخ والجغرافية والذاكرة الجماعية والعواطف والوجدان الشعبي والمنطق العقلي والحقائق ، والتي يجب أن ندركها كما هي لا كما نريد أن نراها ، وغير ذلك
ولما كان التحليل لغة: هو إرجاع الشيء إلى عناصره لكشف خباياه، فإن التحليل في المسرح يستند إلى هذا التعريف بالإضافة إلى نبش أسرار هذا الفن والإنارة على سحره شكلاً ومضموناً واستقراء مافي النص المسرحي من إبداع يخدم هذا الفن واستخراج مافيه من إبداع يخدم هذا الفن ومن مثل الابتكارات التعبيرية والفنية ومافيه من قيم تربوية وأخلاقية
بناء على ما تقدم أحاول مقاربة مسرحيات الأطفال عند الكاتب المسرحي الجزائري عز الدين جلاوجي الذي أصدر أربعين مسرحية قصيرة للأطفال بكتاب واحد ونظراً لأنه لا يمكن مقاربة هذه المسرحيات في مقال واحد فقد اخترت بعض المسرحيات لأقف على مضامينها وفنياتها :
المضامين:
لم يعد خافياً على أحد دور مسرح الطفل في التعليم والمعرفة وبناء الشخصية وإثراء بصره وبصيرته وتخليصه من الخجل والعقد وأمراض كثيرة
ومن البدهي أن يهتم المبدعون بهذا الفن مع اعترافنا بأن النجاح كان حليف القلة والإخفاق كان حليف الكثيرين إما بسبب ضعف الإبداع وعدم التمكن ومن خفايا وأسرار هذا الفن وإما بسبب استسهال الكتابة للأطفال
ومهما يكن من أمر فإن الكاتب المسرحي والروائي عز الدين جلاوجي (1) الذي أخلص للرواية ومسرح الكبار نراه يتوجه بقوة نحو مسرح للأطفال فينشر أربعين مسرحية في كتاب واحد (2)
وهذه المقاربة محاولة للإغنارة على الفنيات المسرحية التي اعتمدها المؤلف في مسرح الطفل والمستوى الإبداعي الذي توصل إليه في هذا الفن الصعب.

ولما كان اللعب من أهم العناصر التي يجب أن يكرس في مسرح الطفل وكذلك الإدهاش والإثارة فإننا سنتوقف عند هذه العناصر في مسرح الطفل عند الدكتور الجلاوجي دون أن نغفل المضامين وأبعادها التي تشكل المهاد الأساسية لهذه العناصر.

(1) عز الدين جلاوجي روائي وكاتب مسرحي جزائري
(2) عزالدين جلاوجي ، اربعون مسرحية للأطفال ، المؤسسة الوطنية للفنون الطبيعية وحدة الرعاية ، الجزائر ، 2008(وصدر الكتاب بدعم من وارزة الثقافة فففي اطار الصندوق لترقة الفنون والآداب وتطويرها ).
في مسرحية سالم والشيطان (3) يبرز المؤاف الصراع الحاد والأبدي بين الخير والشر من خلال شخصية سالم الكسول وبعض المواقف الحياتية الهامة من مثل التدخين ، والتعليم ، والكسل ، وعدم احترام المعلم .. إلخ
وعلى الرغم من التقاط المؤلف مفاصل مهمة في الحياة ذكرت بعضها آنفاً وعلى الرغم من تسريبها بفنية عالية داخل الحكاية فإن المؤلف لم يتوقف عند مرحلة الطفولة بل جعل المشهد السابع للنتائج التي يجنيها الطفل من وراء هذه السلبيات في مرحلة الشباب حيث نجد سالم يقول للشر
(الشر : (يظهر ) يا غبي أنا شر ، وهل تنتظر مني خيراً ؟ ولكني لم أفرض عليك شيئاً ، فقد كنت أزين لك الشر والكسل ، وكنت تطيعني لأنك كسول فلم نفسك ولا تلمني ..
سالم : (يجري خلفه ) ابتعد عني ودعني لحالي يالعين هدمت حياتي ومازلت تتعقبني .. ابتعد ابتعد (يجري خلفه فيفر الشر )
ويبتكر الكاتب المسرحي عز الين جلاوجي حكاية مثيرة في مسرحية الأم (4) ليدلل على مكانة الأم إذ عندما يقرر الابن ترك أمه في الغابة إرضاء لزوجه التي تكرهها وتكيدلها المكائد يفاجأ بأن الجبل والريح والأفعى والأسد وكل من يعيش في الغابة يقف معها ويحميها وعندما يكتشف سر زوجه والظلامة التي وقعت على أمه يحاول الاعتذار كما تعتذر الزوجة على ما فعلته وتبقى الأم ذات القلب الكبير تحب ابنها وتسامح زوجها وتتمنى لها حياة سعيدةإن أسلوب الأنسنه الذي استخدمه الكاتب أثرعلى المشاهد والحكاية إيجاباً وعمق الحبكة فالجبل يتكلم والريح تتكلم وكذلك الأفعى والأسد ويأتي عنصر المفاجأة في اختباء الابن ومشاهدة ما يحدث ليغني المسرحية ويعمق فنياتها

(3) المصدر السابق نفسه ، ص 7
(4) المصدر السابق نفسه ، ص 49
وفي مسرحية (غصن الزيتون ) يقدم صورة للطغاة الإسرائيلين ويبرز موقف الفلسطينيين ومقاومتهم لهذا العدو الشرس
" الأم : (خائفة ) إلى أين يا عمر ؟
عمر : لأشارك إخواني انتفاضتهم .. لنرجم اليهود كما يرجم الشياطين ، لابد أن نخرجهم من أرضنا
الأم : (خائفة ) عمر ولدي لا تذهب .. لا آمن عليك مكر اليهود وغدرهم .. لاآمن عليك
الجد : دعيه يا بنيتي .. لا تزرعي في قلبه الخوف والجبن .. وما أعظمنا أن نموت شهداء .. هيا يا ولدي هيا ... هيا (5)
أما تمثيلية سمكة أفريل فهي تعالج (كذبة إبريل )
وتقدم حكاية عن أثر هذه الكذبة من خلال شخصية سالم وصديقة سعيد وتستند في ذلك إلى نتائج مهمة وهي أن هذه الكذبة لا أخطارلها وتستغل الحدث لتبرز أثر التسامح في الحياة والحفاظ على الصداقة
" سعيد : أمك ماتت . أجل ماتت
سالم : ماتت ؟ ماتت؟؟
تلميذ : ماذا تقول ؟ ماتت أم سالم ؟؟!
سعيد : ( يتفجر ضاحكاً ) سمكة أفريل أيها المغفلون . )) (6)

(5) المصدر السابق نفسه ص 64
(6) المصدر السابق نفسه ص 67
وتناقش تمثيلة " الحافظة السوداء " موضوع الأمانة حيث يعيد سعيد الحافظة لصاحبها بفضل توجيهات أبيه وتشجيعه بفضل معرفته بأن الاعتراف بالخطأ فضيلة
" الأب : إن كنت تعرفه فأرجعها له .. وإن لم تكن تعرفه
بحثنا عنه ، فالحافظة أمانة عندنا .. والله سيعاقبنا إن لم نردها إلى أهلها
سعيد : نعم أعرفه لكن صديقي سالماً أخذ منها بعض النقود
الأب : لا تخش سأعوض لك ما نقص .. على أن ترد الحافظة لصاحبها وتعتذر له " (7)
وتتحدث تمثيلية " الصياد الماهر " عن الحرية وضرورتها للإنسان والحيوان من خلال حكاية العصفور الذي وصفه سعيد في القفص ثم أطلق حريته عندما علم من أبيه أن قتل العصافير حرام وأن تقييد حريتهم يشبه القتل وعندما عرف أيضاً أنه يرفض أن يقيد أحد حريته
" سعيد : أعاهد ربي على أني لن أؤذي عصفوراً أبداً
الأم : هيا أطلق سراحه الآن إني أراه ينظر إليك مسترحماً " (Cool
ويستطيع الكاتب جلاوجي في مسرحية الليث والحمار أن يقدم لنا مسرحية مبنية على حكاية مليئة بالعمل المسرحي والحدث النامي والتشويق فالليث ينتظر أن تلد زوجه اللبوة خليفته والذئب يهدئ من روعه وعندما تخبره القابلة بالمولود المنتظر يطير فرحاً فيوزع الهدايا ويبدأ باستقبال الحيوانات بالتهنئة وعندما يأتي دور الحمار تقاطعه زوجة موبخة الحمار لأنه قتل ابنها بصوته القوي فيأمر الليث بقلتله وبعد أن ينفذ القتل تجتمع الحيوانات لدفنه وهي ترثيه رثاءً دلالياً مغايراً :

(7) المصدر السابق نفسه ص 76
(Cool المصدر السابق نفسه ص88
" لا جعل الله للحمار قراراً
ولا أبقى له أخباراً ولا دياراً
ولا أعلى له بيتاً ولا جداراً
ولا أضاء له مصباحاً ولا مناراً
ولا منعه جمراً ولا ناراً
ولقد عاش حماراً وقضى حماراً
( الجميع : يرددون مع الثعلب كل مقطع ويحملونه على الأعناق ويخرجون به ) " (9)
وفي تمثيلية الخيانه يختار المؤلف حكاية من حكايات الاستعمار
الفرنسي حيث يطلب العميل من الضابط الفرنسي أن يحميه من عميدوش الذي هدده بالذبح في منتصف النهار
وعلى الرغم من محاولة الضابط تشجيعه وإعلان حمايته يظل العميل خائفاً وعندما يدخل عميل آخر يطلب الحماية أيضاً يدخل الضابط العميلين إلى غرفة لكي يحميهما.
وفي الغرفة يكشف العميل الثاني عن هويته ويعلن أنه مبعوث عميدوش لقتله وأنه من المواطنين المدافعين عن وطنهم
" العميل 2 : أنا مبعوث عميدوش إليك أيها الخائن
العميل 1 : ألست عميلاً لفرنسا ؟ لقد كنت معي
العميل 4 : كنت أتظاهر بذلك فقط ولكني أخدم شعبي وبلادي

اطمئن أيها الخائن فإن المسدس كاتم للصوت (يضر به فيسقط ويخرج فاراً ) " (10 )

(9) المصدر السابق نفسه ، ص 92
(10) المصدر السابق نفسه ، ص 127
أبعاد فنية:
لا ريب في أن المسرح معني إلى درجة كبيرة بتنمية خيال الطفل وتطوير معارفه وعلومه وبناء شخصيته وتهيئتة ليكون في المستقبل مبدعاً ومبتكراً وقادراً على مواجهة الواقع والتخطيط من أجل حاضره ومستقبله
ولا ريب في أن الخطاب المباشر للطفل واعتماد الوعظ الحاد لا يقنع الطفل ، لا بل قد يدفعه إلى كره الفن المسرحي وعدم الاهتمام به
إن صقل إحساس الطفل وإثراء خياله وتنمية وجدانه وتحفيزه على الإبداع والتأمل الخلاق يكون عبر الفن واللعب
ولا يمكن أن نقدم نصاً مسرحياً طافحاً بالجمال ومفعمًا بالتشويق ومزركشاً بالفن ومطرزاً بالقيم إلا إذا ابتعدنا عن المباشرة واعتمدنا وسائل ابتكارية في التشويق والإثارة واللعب.
إن التواصل الجمالي والمعرفي مع الطفل عبر الغناء واللعب والتشويق يحقق المساس الحقيقي بعقل الطفل وأحاسيسه كما إن الشعر يسهم في سيطرة الشفافية وانشداد الطفل
والكاتب المسرحي المتمكن هو الذي يماهي بين الشكل والمضمون ويسعى بقوة خارقة للإحساس بناصية الفن، فالمسرحية الجيدة الماتعة هي التي بنيت من أجل هذا التوجه أما أن نتوقف عند مغادرة الكاتب للبناء الأرسطي او عدم مغادرته ونحاكم الكاتب من هذا المنطلق فهذا خطأ ، لأننا لابد وأن نركز على لغة المسرح والصور التعبيرية القادرة على تجسيد الحالات الإنسانية المتباينة والتي تحمل عمق الصراع الدرامي والفن الراقي الذي يسهم في تكويناته المبتكرة في الخلق والإبداع الذي يثير المتلقي ويعجبه ..
نعود إلى مسرحيات الكاتب المسرحي الدكتور عز الدين جلاوجي الذي اجتهد وعمل لكي يقدم مسرحاً طفلياً يدهش حقق ذلك بنسب مختلفة بين مسرحية وأخرى على الرغم من جودة المضامين في المسرحيات كلها ولاريب في ان القيم التربوية تسربت داخل النص المسرحي وحققت اهدافها وإذا كنت ضد المباشرة التي اعتمدها الكاتب في بعض مسرحياته إلا أن هذه المباشرة لم تكن فجة وإنما ظلت تحت مظلة العمل المسرحي الذي لا يمكن إلا أن يكون كذلك بسبب أنساقه وسياقات الاحداثه المؤطرة باتجاه واحد هذا ولا بد ان نشير إلى أمرين مهمين في المسرحيات
الأول : إن هذه المسرحيات الطفلية كتبت لفئات عمرية مختلفة ولهذا اختلف المعجم اللغوي فيها باختلاف الفئة العمرية التي تتوجه إليه المسرحية
والثاني : إن الكاتب عز الدين جلاوجي كتب مسرحياته في فترات مختلفة ومتباعدة وهذا يبدو واضحاً من خلال فنيات بعض النصوص
والسؤال الواجب طرحه: إلى أي مدى نجح المؤلف بهذه النصوص المسرحية الأربعين في زمن يندر فيه كاتب مسرح الأطفال المبدع والجيد؟
الحقيقة تقال إن المؤلف قدم جهداً كبيراً
لتحقيق هدفه، ولهذا نلحظ في المسرحيات إيجابيات كثيرة أذكر منها إدخال الشعر في هذه النصوص المسرحية
إذ نجد بعضها يؤلفه الشاعر وأحياناً تكون من ديوان شعر العرب
وإذا كانت المسرحية تشكل فسيفساء العواطف والأفكاروالإثارة فقد تنبه المؤلف إلى ذلك فضمن مسرحياته ذلك وأغناها بشواهد من القرآن الكريم والحديث الشريف والعادات والتقاليد العربية الأصيلة وحرص على أن تكون مسرحيته قصيرة لا يتجاوز عرضها عشرين دقيقة
ومن إيجابيات هذه النصوص أيضاً استخدام الأنسنه في بعضها وتوظيف التراث (الابن الذبيح مثلاً )
كما لجأ في بعض الأحيان إلى تحويل قصيدة إلى مسرحية
(مسرحية : " القبرتان والريح " عن قصيدة لأحمد شوقي )
وتحويل قصة إلى مسرحية ( مسرحية الدجاجة سنيورة عن قصة لمخائيل نعيمة ) وما يحسب للكاتب اهتمامه بالمقدمة الإثارية فهو إما ان يدخل بالموضوع مباشرة أو أنه يمهد للموضوع بمقدمة إثارية جد سريعة .
فمن أمثلة الدخول بالموضوع مباشرة مسرحية (اللسان المقطوع ) حيث تبدأ :
( الحجاج: ومن تكون؟
الحاجب : امرأة مسنة طويلة القامة حسنة الخلق ، دعجاء العنيني
عنبسة : (للحجاج ) من تراها تكون ؟ وما حاجتها ؟ ) (11)
ومن أمثلة التمهيد الإثاري مسرحية ( الشاعر البطل ) :
" القائد : مولاي الملك
االملك : ماذا خلفك يا قائد الجند ؟
القائد : أمر طارئ مولاي الملك
الملك : قلة ماذا تنظر ؟ " (12)
وقد تنبه الكاتب إلى ضرورة الاهتمام باللغة المكثفة البعيدة التقديرية والإنشائية، كما تنبه إلى ضرورة زيادة ثروة التلميذ اللغوية على الرغم من استخدامه أحياناً ألفاظاً ليست من معجم قاموس الأطفال في المراحل العمرية الاولى والثانية والثالثة
بعدما تقدم لا بد أن نثني على إبداع هذا المسرحي متمنين له التوفيق في إنجازه الإبداعي خاصة وأن الدكتور عز الدين جلاوجي يعيش في بيئة خصبة فتاريخ الجزائر المجيد مليء بالحكايات والبطولات وعصرها الحديث مفعم بالإنجاز والتطوير.



"
avatar
أبو البراء

المساهمات : 260
تاريخ التسجيل : 14/02/2010
العمر : 66

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى