دراسة حول قصة (ملء الكف)للدكتور محمد رضوان الداية....إعداد الدراسة:الدكتور:هيثم الخواجة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

دراسة حول قصة (ملء الكف)للدكتور محمد رضوان الداية....إعداد الدراسة:الدكتور:هيثم الخواجة

مُساهمة  أبو البراء في الأربعاء مارس 24, 2010 4:19 pm

كتب "من البدهي القول إن القصة في نظر الطفل تحمل دلالات سحرية تؤثر على سلوكه وتمنحه مشاعر خاصة تجعله يحلق بعيداً في عوالم تزيد من حبه للحياة، وتدفعه إلى المزيد من المعرفة والاكتشاف فهو أسير القصة الجميلة الماتعة وهو سهل الانقياد مع أحداثها لما للقصة من معاني خلابة وأهداف نبيلة تحيله لكي يكون في قلب الحدث أو جزءاً منه، أو أنه البطل الإيجابي نفسه.

مـلء الكـف
وفـن القـص الـمبدع

من البدهي القول إن القصة في نظر الطفل تحمل دلالات سحرية تؤثر على سلوكه وتمنحه مشاعر خاصة تجعله يحلق بعيداً في عوالم تزيد من حبه للحياة، وتدفعه إلى المزيد من المعرفة والاكتشاف فهو أسير القصة الجميلة الماتعة وهو سهل الانقياد مع أحداثها لما للقصة من معاني خلابة وأهداف نبيلة تحيله لكي يكون في قلب الحدث أو جزءاً منه، أو أنه البطل الإيجابي نفسه.
وما يؤسف له هو أننا – نحن العرب – مقصرون في النهوض بالقصة خاصة وأدب الطفل عامة، كما إن اهتمامنا بالنظريات التربوية الداعمة لفن القصة ما يزال متواضعاً مع أن ابن خلدون يعد أحد الأقطاب في العالم الذين اهتموا بالطفل ومداركه وميوله وأساليب التأثير عليه وتعليمه أيضاً.
وإذا كان العصر الحديث انتبه جاداً إلى أثر القصة في التربية والتعليم والإقناع فإنه – رغم الجهود الكبيرة كلها – ما زلنا نحتاج إلى عمل مبرمج من أجل أدب الأطفال ومن أجل القصة بشكل خاص لكونها وسيلة تربوية ناجحة تمنح الطفل طاقة خلاقة، وتثري خياله، وتزركش عالمه بالنور، ولكونها من الفنون الرفيعة التي يحتاجها الطفل من أجل بناء شخصيته واستبطان معالم نفسيته وتوجيهه نحو معرفة عميقة وثقافة نوعية هادفة...ومن هذا المنطلق وجدت نفسي مشدوداً إلى قصة ( ملء الكف ) للدكتور محمد رضوان الداية التي حملت في طياتها إيجابيات كثيرة سأتوقف عندها في هذه المقاربة.

فكرة القصة (1)

كان ربحي طفلاً واعياً متميزاً وصديقاً ودوداً للأطفال الذين هم أكبر وأصغر منه سناً، ولهذا تواجد ربحي في حلقة أطفال يترأسها محمد ابن الثانية عشرة، وقد جمعت ثلة محمد الأطفال المتفوقين الذين



___________________________________________________
(1) قصة (ملء الكف) تأليف الدكتور محمد رضوان الداية – إصدار جوائز مسابقات أنجال الشيخ هزاع بن زايد آل نهيان لثقافة الطفل العربي – العام 2006

يعرفون كيف يوفقون بين الدراسة واللعب والتسلية والنشاطات الأخرى.
ولم تكن ثلة محمد بعيدة عما يجري في وطنهم من أحداث، لأن وعيهم متقارب كما أعمارهم، باستثناء ربحي الذي كان أصغر أطفال المجموعة والذي استطاع بقدراته وتفوقه أن ينسجم مع أفراد المجموعة كلها، وأن يحفظ بعضاً من آيات القرآن الكريم على يد محمد، وأن يصغي إلى أحاديثه عن نشاط الفدائيين وعملياتهم الاستشهادية فداء الأرض والوطن، كما استوعب معنى الجهاد والظلم الذي يمارسه العدو على بلاده، وكم كان انتباهه شديداً عندما سمع قصة استشهاد " علياء " إحدى فتيات الحي والتي قامت بعملية فدائية ناجحة وقوية صعقت العدو وأذهلته.
وفي جلسة من الجلسات مع محمد تذكر صورة خاله ربحي الذي استشهد في يوم الأرض - العام الماضي - وفي جلسة أخرى مع أسرته أثبت عمق معرفته بما يحدث في الوطن، مما جعله مجال فخر أفراد الأسرة وخاصة أمه التي كانت تضمه إليها وهي تقول ( العمر الطويل يا بني ).
وتابع ربحي المظاهرات الدامية في يوم الأرض وفي اليوم التالي له غاب ربحي، مما أثار حفيظة الأم التي انطلقت تبحث عنه في كل مكان وقد شاركها في البحث أولاد الحارة والحارات المجاورة، وعندما حضر عيد أخبرهم بأنه عند قبر محمد في مقبرة الشهداء.. وهناك تعبوا في إقناعه لكي يعود إلى البيت، ولما اطمأنت أمه عليه، وبللت دموعها كل شيء حولها - وهو مستسلم إلى النوم - حاولت أن تنزع الحجر من يده اليمنى فلم تستطع، فقبلتها، ووصلت القبلة إلى الحجر الذي ملأ كفه.

رؤيـة ورأي

إن قصة ( ملء الكف ) تمتلك مصداقيتها، لأنها تتحدث عن واقع معاش، وقد عكس مؤلف القصة الدكتور محمد رضوان الداية هذا الواقع بأسلوب فني وحنكة ودراية، بحيث يبدأ الطفل بقراءة القصة، ويرفض تركها أو إهمالها حتى يصل إلى نهايتها، والدليل على ذلك الأسلوب المشوق الذي يأخذك عبر سلاسة لغوية مذهلة ليس فيها صعوبة أو تقعر وليس فيها مواربة أو فوضى.
" ولم يكن غريباً على أهل الحي أن يشاهدوا ربحي في حلقة أطفال يترأسها محمد ابن الثانية عشرة الذي التف حوله أولاد الحي يلتقون به في الساحة الواسعة وعلى أرض الحارة كما يلتقون به في المدرسة ويأتلفون ائتلافاً لفت الأنظار ".. (2)

__________________________________________________
(2) المصدر السابق نفسه – ص (5)

وإذا كان الكاتب يمتلك ناحية اللغة فهو حريص على أن تكون الجملة خبرية وإنشائية قصيرة ومكثفة وملونة بأساليب النداء والأمر والنهي والتمني والترجي وغير ذلك.
وهو حريص – أيضاً - أن يكون معجمه اللغوي ضمن فهم الطفل بين ثمانية أعوام واثني عشر عاماً.
هذا أمر والأمر الآخر هو الأحداث التي تتطور بآلـيّة منطقية وتدرج خفي يشد الطفل ويجعله أسير هذه الأحداث..
أما الشخصيات فهي في تطور ونمو خاصة شخصية ربحي البطل الذي كان متفاعلاً مع الأحداث ومنسجماً مع تطورات الحياة وفاعلاً مع الشخصيات الأخرى سواء أكان ذلك مع أمه أم أخويه أم محمد أم أهل الحي جميعاً، والجميل في شخصية ربحي أنها طموحة حالمة محبة للجميع وعاشقة للأرض والوطن، أما شخصية محمد فهي مؤثرة من جهة وقدوة من جهة أخرى..
" كم تحبان ربحي ، وترعيان تعلمه المبكر.. وتضفيان إلى حنان الأم نحوه حناناً آخر !
خفت صوت الأم في نداء ربحي بعد أن تأكد لها أنه خارج المنزل.. ولكنها كانت مطمئنة إلى أنه لا يخرج عن دائرة نشاطه مع أولاد حارته أو الحارة المجاورة " .. (3)
إن الطفل الذي سيستفيد من هذه القصص استفادة ايجابية سواء من حيث الشروط الفنية للقص أم الهدف الأعلى لن يكون بعيداً عما أفرزته القصة من عادات سليمة وتوجهات أخلاقية ومعرفية وفوائد نفسية ولغوية وثقافية عامة ذلك لأن القصة لا تؤثر على الطفل من ناحية حوادثها، بل من خلال مغزاها أيضاً ومن خلال أسلوبها ولغتها وخطابها العام والخاص، وما تشيعه من جماليات حسية ومعنـوية..
" لقد عرف هؤلاء الأولاد أن العدو جبان خوّان، وعرفوا أيضاً وعايشوا بأنفسهم أن المجاهد شجاع، وحفظوا من الأثر والمأثور الذي ردده محمد كثيراً : (قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار) وعرفوا أن أية إصابات ولو خفيفة في لقاء العدو هي وسام على صدر المجاهد والمقاوم والمدافع، وهي مفتاح للثواب ورفع الدرجات عند الله تعالى " .. (4)
ولئن كانت المرحلة التي تتوجه إليها القصة هي مرحلة حب المغامرات والبطولة، فإن بطولة ربحي بطولة منطقية تنطلق من حب الأرض والوطن، وتستند على الإيمان بجدوى الاستشهاد وضرورته في ظل مستعمر ظالم لا يعرف معنى للإنسانية ولا أشرعة للرحمة..ودلالة ما قدمته هو محاولة ربحي الفهم
والاستيعاب ممن هم أعرف منه وأخبر منه، ومن ثم وصوله إلى معارج القدوة المشرفة التي يتطلع إليها

________________________________________________
(3) المصدر السابق نفسه – ص (9)
(4) المصدر السابق نفسه – ص (13)
المواطن الصالح ليكون بعدها رأيه في الحياة والوجود واتباع الأهداف والمثل العليا..
لقد عرض المؤلف الحكاية منتبهاً إلى أهمية الزمان والمكان في حركة الحدث وإلى ضرورة حوار الشخصيات والكشف عن سماتها، ولهذا لم تجف شخصيات القصة عن المحيط والبيئة وما يدور بينهما من فضاءات تدعم حيوية القصة وحركتها كما تنبه المؤلف إلى أهمية تقطيع الأحداث وتناميها وإلى إيقاعات التعبير الأسلوبي وماله من دور في التأثير بعيداً عن المباشرة والفجاجة والخطابية التي تغرب التأثير العميق، إذ نلحظ أن تأثير القصة الوجداني تكون من تسلسل الحوادث ومقاربة مستوى تفكير الطفل وعلاقاته مع من هم أكبر منه أو تواجدوا في حياته..
" غـاب ربحي عـن حـديث محـمد بـرهة يسـيرة حين استرسـل في ذكـريات خـاله، ثـم انتـبه، ورجـع إلى متـابعة الكـلام.
( سيـكون الخـميس الـقادم يـوماً عظـيماً ) قـال محمـد متابعـاً : سـتزدحم الشـوارع بـالمـسيرات والتـظاهـرات"..(5)
بقي أن نشير إلى تلك النهاية الرائعة في القصة التي دلت على إصرار الطفل على المقاومة حتى يخرج العدو من الوطن وهذا الإصرار تمثل في التمسك بالحجر – السلاح الأقوى – لكي يظل جاهزاً للمقاومة ومادام الطفل ربحي يمثل جيل المستقبل فهذا يعني أن الحجر هو السلاح بكل أشكاله، وأن المقاومة مستمرة وستتناقلها الأجيال حتى النصر..
" قبلـت الأم ابنـها مراراً.. ثم مـالت إلى يـده اليمنى، وقبلـتها، ووصلت قبلتـها إلى الحـجر الـذي ملأ كفـه، وبرز مـن بين أصـابعه الطرية.. واخـضلت يد ربـحي واخـضّل الحـجر بالبـاقي من دمـوع عينها"..(6)
إن قصة ( ملء الكف ) للدكتور محمد رضوان الداية تتمتع بسمات القص المتميز الذي نتوجه به إلى أطفالنا سواء أكان ذلك من حيث الأهداف التربوية والأخلاقية أم من حيث الأهداف الوطنية والقومية أم من حيث القص المبدع الذي نتطلع إليه باستمرار من أجل طفلنا الذي يلهث وراء مثل هذا الإبداع الجميل الأسـر..

هـيثم يحـيى الخـواجة


________________________________________________
(5) المصدر السابق نفسه – ص (15)
(6) المصدر السابق نفسه – ص (27)"
avatar
أبو البراء

المساهمات : 260
تاريخ التسجيل : 14/02/2010
العمر : 67

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى